الحرب الباردة بين الصين وأمريكا وتأثيراتها الساخنة على المنطقة ودور العراق الضعيف

الحرب الباردة بين الصين وأمريكا وتأثيراتها الساخنة على المنطقة ودور العراق الضعيف
يصف النصّ تصاعد الحرب الباردة الاقتصادية بين الصين وأمريكا، مبرزًا انتقال الصراع من السلاح إلى التكنولوجيا والمال، وتأثيراته العميقة في الشرق الأوسط، حيث يبقى العراق ضعيف الدور وعاجزًا عن استثمار موقعه وسط التحوّل نحو النظام الدولي الجديد....

تتسارع خطوات الصراع بين الولايات المتحدة الأمريكية وجمهورية الصين الشعبية نحو مشهد عالمي جديد يُـعيد إلى الأذهان ملامح الحرب الباردة القديمة، ولكن هذه المرة ليست حرب صواريخ نووية أو سباق تسلح عسكري، بل حرب (اقتصادية – تكنولوجية – مالية شاملة)، تتغلغل في تفاصيل الاقتصاد والسياسة والطاقة وسلاسل التوريد العالمية.

فـ”التنين الصيني” الذي خرج من رحم الفقر والعزلة إلى قمة الاقتصاد العالمي في أقل من نصف قرن، لم يعد يرضى بدور

“المصنع العالمي”

فقط، بل يسعى اليوم ليكون صانع القرار المالي والتقني والتجاري على مستوى الكوكب .. في المقابل، تشعر واشنطن بأن العرش الاقتصادي الأمريكي الذي بقي صامداً منذ الحرب العالمية الثانية، يتعرض اليوم لاهتزازات خطيرة قادمة من الشرق الآسيوي، مما دفعها إلى إشعال حرب باردة جديدة عنوانها “كبح الصين”.

المعركة الاقتصادية: من فول الصويا الأمريكي إلى المعادن الثمينة الصينية

لم تعد الحرب بين الطرفين تقتصر على رفع التعرفة الگمرگية الأمريكية على البضائع الصينية، بل امتدت إلى ملفات أكثر تعقيداً:

  • الصين أوقفت شراء فول الصويا الأمريكي في محاولة للضغط على مزارع الغرب الأوسط الأمريكي، ووضعت قيوداً جديدة على تصدير المعادن الثمينة التي تحتكرها الصين بنسبة ٧٠٪‌ وهو ما شكل ضربة اقتصادية مؤلمة لواشنطن.
  • بالمقابل، فرضت الولايات المتحدة تعرفة گمرگية مرتفعة على البضائع الصينية.
  • ومع تصاعد العقوبات، بدأت الصين وروسيا معاً بإنشاء نظام مالي موازٍ لنظام “سويفت” الغربي، بهدف كسر الهيمنة الأمريكية على حركة الدولار والتحويلات الدولية.

هذه الحرب ليست اقتصادية بحتة، بل تحمل بين طياتها رؤية صينية جديدة للعالم تقوم على التعددية القطبية بدلاً من الهيمنة الأحادية الأمريكية وبأسلوب صيني يتميز بالسرعة والبراغماتية العالية، بعيداً عن ضجيج الخطابات السياسية.

تأثيرات ساخنة على المنطقة

المنطقة العربية -والخليج خصوصاً- تقف في قلب هذه المواجهة، لأنها تمثل مصدر الطاقة الأكبر للعالم وميدان النفوذ الجيوسياسي الأكثر حساسية.

  • واشنطن تحاول تثبيت تحالفاتها النفطية والعسكرية مع دول الخليج.
  • بينما تعمل بكين على توسيع حضورها الاقتصادي عبر مبادرة “الحزام والطريق” والاستثمار في الموانئ والبنى التحتية والطاقة ..

المنطقة أصبحت ساحة اختبار فعلية لنتائج هذه الحرب الباردة هل ستبقى تحت الهيمنة الأمريكية؟  أم ستنفتح على النظام الاقتصادي الآسيوي الجديد الذي تقوده الصين وروسيا؟

 بلدنا العراق: الغائب عن الصراع والحاضر في نتائجه

أما العراق، فدوره في هذه المعادلة ما يزال ضعيفاً ومشتتاً! رغم أنه يمتلك موقعاً جغرافياً استراتيجياً وثروات نفطية هائلة تؤهله ليكون جسراً محورياً بين الشرق والغرب، إلا أنه ما يزال يدور في فلك:

١- الأزمات الداخلية.

٢- والتجاذبات السياسية.

٣- التبعية السياسية والإقتصادية لأمريكا، التي جعلته متلقياً للأحداث لا صانعاً لها.

بينما تبني الصين موانئ وسكك حديد في الخليج وباكستان وإيران، يقف العراق عاجزاً عن استثمار موقعه في مبادرة “الحزام والطريق”!

وحين تتصارع واشنطن وبكين على الأسواق والنفوذ، يجد العراق نفسه ساحة ارتداد للتأثيرات: ارتفاع الأسعار، اضطراب الأسواق، وضغوط سياسية متناقضة من معسكرات مختلفة.

 العالم نحو القطبية الصينية السريعة

اليوم، يبدو أن “التنين” الصيني لا يسير فقط بخطى ثابتة، بل بخطى سريعة جداً نحو إعادة صياغة النظام الدولي على طريقته الخاصة ..نظام متعدد الأقطاب، تقوده المصالح الاقتصادية لا التحالفات العسكرية، والعلاقات التجارية لا العقائد الأيديولوجية .. وبينما تنشغل أمريكا بتقليص الخسائر وحماية موقعها، تعمل الصين على إعادة بناء قواعد اللعبة الدولية عبر المال والتكنولوجيا والمبادرة والموانئ، وليس عبر الطائرات والقواعد العسكرية.

في النهاية، قد لا تكون هذه الحرب الباردة مشابهة لتلك التي دارت بين واشنطن وموسكو في القرن العشرين، لكنها أكثر شمولاً وتأثيراً ودهاءً ..

وإذا لم يُـحسن العراق قراءة المشهد والتخطيط لموقعه ضمن النظام الدولي الجديد، فسيمر “القطب الصيني الجديد” من حوله دون أن يكون له فيه موطئ قدم، كما مرت من قبله فرص كثيرة في تاريخ هذا البلد الغني بموارده، الفقير بإدارته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *