في مؤتمر شرم الشيخ الأخير، قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إن «العراق يملك الكثير من النفط، لكن حكومته لا تعرف كيف تتعامل معه ولا كيف تطور البلد بهذه الأموال».
كلمة حق يراد بها باطل !! تختصر مأساة دولة غنية تُدار بعقل فقير، وثروات هائلة تُبدّدها أيادٍ سياسية عاجزة عن تحويلها إلى ازدهار حقيقي. بينما يرى العالم في العراق كنزًا اقتصادياً يسهل الاستحواذ عليها تحت ذرائع كثيرة ، بينما تنشغل قواه السياسية في معارك جانبية طائفية وقومية و مناطقية لا تنتهي من أجل الاستحواذ على المناصب.
إن أطماع الدول الكبرى بخيرات العراق لم تعد سرًّا، فهناك من يخطط للاستحواذ على النفط والمال والنفوذ بأساليب ناعمة، فيما يتكفل الفساد الداخلي بتسهيل هذه المهمة من دون حاجة إلى جيوش.
لكن الأخطر من ذلك أن الكتل السياسية نفسها ما زالت تمارس سياسة التفريق كلما اقترب موعد الانتخابات، وكأن وحدة الشعب خطرٌ على وجودها.وان التفرقه هي سر بقائها وتسيدها !!
فمع كل دورة انتخابية، تُعاد نفس الأسطوانة: «لاتنطوها»، «نحن دولة»، «إعمار وبناء» «نحن البديل» «عراق اقوى»
بعض الشعارات ظاهرها الوطنية وباطنها الخوف من الوعي الشعبي. فبدل أن تُطرح البرامج، تُشعل النعرات. وبدل أن يُسأل السياسي عن منجزه، يُسأل المواطن عن مذهبه.
إن الشحن الطائفي لم يعد سلوكًا عاطفيًا، بل أداةً ممنهجة لإبقاء الناس في مربعات الولاء الضيق، ومنعهم من التفكير الوطني الحر.
ولقد رأينا نتائجه الدامية — حين يُستهدف مرشح أو شخصية كفوءة فقط لأنها مالت إلى المذهب “الاخر” أو لشعور سياسي يتنافس قد يزيحة عن قمة التل الطائفي بنظر من يحرّض وذلك له ثمن باهض. وما حدث في الطارمية مثال صارخ على كيفية ان يُترجم التنافس إلى دم، وكيف ينبرِي بعض السياسيين، من السنةً والشيعة، للحث على الطائفية علنًا وكأنهم لم يتعلموا شيئًا من تاريخ العراق القريب.
أما الشعارات الانفصالية من قبيل «نحن دولة»، فهي تهدد فكرة الوطن الواحد. فحين يعتبر حزب أو تيار نفسه دولة داخل الدولة، فإنه يزرع بذور الانقسام ويدفع أتباعه لتصوّر الاستقلال كخيار، لا الشراكة الوطنية. والسفينة حين يتعدد ملاحيها، لا تصل إلى شاطئ الامان
أما «الإعمار والبناء»، فكم يبدو جميلًا لفظه وساخرًا واقعه!
كيف يُعمر الوطن بيد بطل سرقة القرن؟
كيف يُبنى العراق على يد من شارك في سرقة مليارات الامانات
فحين يُفاجئك ترشيح المتورطين فيها اليوم في كتل سياسية تتحدث عن “الإصلاح”؟ يتوجب علينا الوقوف عندها ومراجعة الحسابات !! فكيف سيقنعون الشعب لتقبل من سرقهم و كان سببا في تركهم يفترشون الطرقات مطالبين بالتعيينات ومن كان سببا في تردي الخدمات والنقل والكهرباء بسبب سرقة أموال البلد ، أما شعار عراق قوي فهل يعلم حقا من طرح هذا الشعار أن هنالك موجبات لقوه العراق وان هنالك مايساعد على إضعاف العراق فموجبات القوه هي اولا الوحدة الوطنيه والتعامل بمبدأ الاكفئ ومحاربة الطائفيه ومحاربة الفساد وتطبيق القانون بقوه وتحقيق الأمن والأمان للشعب وان يكون الجميع متساوين أمام القانون فلا فرق بين متحزب وغير متحزب بالحقوق والواجبات !!
وفي خضم هذا الصخب، نرى أن بعض السياسيين السنّة لا يزالون يكررون خطاب “حقوق السنة”، و“مدينة السنة”، و“تهميش السنة”والتهجم على تواجد القوات الامنيه واعتبارها قوات طائفيه وإنكار كل التضحيات، رغم أن النظام السياسي في العراق ديمقراطي يعتمد على حكم الأغلبية السياسية لا المذهبية.
فالشيعة الذين يملكون الأغلبية العددية والسياسية تنازلوا في الحكومات المتعاقبة عن وزارات ومناصب سيادية كثيرة بل قسمت الرئاسات بين المكونات والوزارات والمناصب الاخرى في إطار “الشراكة التوافقية”، التي كان هدفها إرضاء جميع المكونات.وابقاء العراق للجميع ومع ذلك، يُصرّ البعض على تصوير المشهد وكأن هناك مظلومية سنّية دائمة، لا لتصحيح واقعٍ، بل لاستدرار العواطف وكسب الأصوات.
إن هذا الخطاب المذهبي — من كل الأطراف — لا يخدم إلا من يريد إدامة الفشل، لأنه يبدد الهوية الوطنية ويُغرق المواطن في تفاصيل انتمائه الفرعي.وتناسي الانتماء الوطني،
بينما الحقيقة الواضحة أن الظلم في العراق ليس طائفيًا، بل سياسيٌّ في جوهره؛ يمارسه الفاسد على الجميع بلا تمييز.
إن الانتخابات القادمة أن أجريت!! ستكون اختبارًا جديدًا لوعي العراقيين:
هل سنظل نصدق الشعارات التي مزّقتنا؟
هل سنُعيد انتخاب من سرقنا باسم الطائفة؟
أم سنختار من يريد دولةً تجمعنا لا طائفةً تفرقنا؟
العراق اليوم أمام مفترق طريقين:
طريق الوعي الوطني الذي يبني الدولة،
وطريق الشحن الطائفي الذي يبيعها صفقةً بعد صفقه ..


