لم يكن سقوط نظام صدام حسين نهاية لعراق الفساد والاجرام، بل كان إعلانا عن بدء سباق جديد على الغنيمة والسلطة.
في هذا المشهد، برع مشعان الجبوري في التحوّل من أداة في يد النظام السابق إلى “بطل” مزيف في مسرحية ما بعد 2003، مقدّما دروسا عملية في فن البقاء على حساب المبادئ والشعب.
-
الولاء للسلطة.. أيّ سلطة
في عام 1975، اشترى نظام البعث ولاء الشاب مشعان الجبوري بصفقة واضحة: سيارة وامتيازات مالية مقابل تسويق سياساته إعلاميا.
لم تكن تلك مجرد هبة، بل كانت الصفقة التأسيسية لمسيرة قائمة على تبادل المصالح، حيث تحوّل مشعان إلى أحد أذرع السلطة العشائرية، يوظّف أبناء قبيلته في خدمة النظام، خاصة خلال الحرب مع إيران، وكانت العلاقة عقد ولاء للسلطة، لا للوطن.
-
صناعة “المعارض” في غرفة التحرير
مع خروجه إلى سوريا، لم يغيّر الجبوري مبادئه، بل غيّر مموليه، أسّس قنوات مثل الاتجاه الآخر والرأي والزوراء، ورفع شعار “المقاومة“، لكنه كان يمارس خطابا طائفيا متشنجا، ويساهم في تأجيج العنف أكثر مما يساهم في بناء معارضة سياسية رشيدة.
السؤال المشروع:
كيف يتحوّل رجل من رجال النظام السابق فجأة إلى ناطق باسم المقاومة؟ ومن الذي موّل هذه المنابر؟
-
2003 فوضى المواقف وصناعة النفوذ
بعد أسابيع من سقوط بغداد، عاد الجبوري بخطاب “المقاومة”، لكنه لم يتردد في التعاون مع القوى الكردية والأمريكية لتثبيت نفوذه في الموصل.
لم تكن مقاومة، بل كانت مغامرة لاقتناص موقع جديد في السلطة، دخوله البرلمان بشعار “العدالة للسنة” لم ينتج سوى فضائح متكررة، فيما بقيت المحافظات التي يزعم تمثيلها تعاني الفساد والارهاب والدمار.
-
من مكافحة الفساد إلى تجسيده
هنا تبلغ السيرة ذروتها:
– شهادة مزورة: المحكمة الاتحادية ألغت عضويته البرلمانية عام 2022 بعد كشف تزوير شهادته الجامعية.
-رشاوي علنية: اعترف بنفسه، في مقابلة مع ذا غارديان، بقبوله عرض رشوة بخمسة ملايين دولار.
-لجنة مكافحة الفساد: كان عضوا في لجان المحاسبة بينما يلاحقه القضاء بتهم اختلاس وتعيينات وهمية.
تصريحه الشهير: “الجميع فاسدون وأنا منهم” لم يكن صراحة، بل تكتيكا لشرعنة الفساد وتعميمه، بحيث يفلت هو وغيره من المساءلة.
-
اخيرا: الجبوري كمرآة للنظام الجديد
مشعان الجبوري ليس مجرد حالة فردية، بل انعكاس لجوهر النظام السياسي ما بعد 2003.
فهو لم يخرج عن القاعدة، بل جسّدها بأوضح صورها، من البعث إلى البرلمان، ومن الإعلام إلى الفساد، من الولاء للنظام إلى الولاء للفوضى.
سقوطه بسبب “شهادة مزورة” لم يكن سقوطا شخصيا فحسب، بل فضيحة لنظام كامل سمح لرجل كهذا أن يصول ويجول عقودا بلا مساءلة.
إنها ليست سيرة رجل واحد، بل وثيقة اتهام لعصر كامل، حيث تتحول السياسة إلى مزاد، والفساد إلى ثقافة، واللاجدوى إلى قاعدة.
المصادر:
-صحيفة الغارديان (2008) مقابلة مع مشعان الجبوري حول قضايا الرشوة.
– راديو أوروبا الحرة تقارير عن التعيينات الوهمية المتورط بها.
– المحكمة الاتحادية العليا العراقية (2022) قرار إلغاء عضويته البرلمانية بسبب الشهادة المزورة.
-روداوو 2022 تغطية لقرار سقوط عضويته.
– الموسوعة الحرة النسخة الإنجليزية (Misha’an al-Juburi) سيرة موسعة لحياته ونشاطاته.
– الجزيرة – العربية – بي بي سي العربية تقارير عن نشاطه الإعلامي وخطابه الطائفي.
– صحف عراقية (المدى، الفرات نيوز) – متابعات عن نشاطه البرلماني وملفات فساده.


