منذ أن أصبحت الانتخابات عنوانا للديمقراطية! في العراق، تحوّلت شيئا فشيئا من مناسبة سياسية إلى موسمٍ تجاري، ومن ساحة تنافس على البرامج والخدمة العامة إلى ميدان للمساومات والابتزازات وشراء الولاءات.
لم تعد صناديق الاقتراع تعكس إرادة الناس بقدر ما تعكس قدرة الأحزاب على توظيف السلطة والنفوذ والمال السياسي.
في السنوات الأخيرة، لم يعد الحديث عن التزوير يثير دهشة أحد، فالجميع بات يعلم أن هناك من يشتري الأصوات علنا بمبالغ مالية تتراوح بين (25) ألف ومائة وخمسين ألف حسب المنطقة والفئة المستهدفة!، الحملات الانتخابية تدار وكأنها مزاد سياسي مفتوح تباع فيه الذمم وتشترى الولاءات.
توزّع الأموال، والبطانيات، ووعود التعيين، وحتى صكوك الغفران السياسية، في سوق مكتظ بالوعود الزائفة، بينما تختفي البرامج الحقيقية خلف ضباب الشعارات الفارغة.
أما الأخطر، فهو ما يجري داخل مؤسسات الدولة والوزارات، وخصوصا في الأجهزة الأمنية والعسكرية والحشد الشعبي، حيث يجبر بعض الموظفين والمنتسبين على التصويت لقوائم محددة، تحت تهديد مبطّن بالفصل أو النقل أو حتى الاتهام بعدم الولاء.
بعض الجهات لا تكتفي بفرض الصوت الفردي، بل تطلب من الموظف أن “يضمن” أصوات عائلته أو أصدقائه، (على الأقل عشرة أصوات)، وإلا وضع اسمه في قائمة “المتخاذلين”.
وهناك أسلوب آخر أكثر فجاجة:
حين تجمع بطاقات الناخبين قبل الانتخابات، وتحتجز لدى وسطاء أو منسقي احزاب، ليعاد تسليمها يوم الاقتراع مقابل التزام الناخب بالتصويت للمرشح المطلوب.
وهكذا، يتحوّل المواطن إلى رقم في دفتر المقايضة الانتخابية، يستدعى فقط يوم التصويت، ليعود بعدها إلى النسيان حتى موعد “الصفقة النيابية” التالية.
المضحك المبكي أن هذه الأساليب تمارس بسذاجة مطلقة، وكأن الناس لا تفهم ولا ترى، فالتزوير هنا لا يحتاج إلى تكنولوجيا متطورة ولا إلى برامج اختراق إلكترونية، بل يدار بوسائل بدائية مفضوحة، من مال رخيص، وتهديد إداري، وضغطٍ اجتماعي.
إنه تزوير ساذج لأنه يستخف بعقل العراقي ويستهين بوعيه، ويظن أن الجوع يمكن أن يشتري الموقف، وأن الخوف يمكن أن يصادر الإرادة.
لكن رغم كل شيء، هناك وعي جديد يتكوّن ببطء داخل المجتمع العراقي، الناس بدأت تفهم اللعبة، وتفرّق بين “المرشح النزيه” الذي يخسر بشرف، والمزور الذكي! الذي يفوز بالحيلة.
بدأ المواطن يدرك أن الفقر ليس مبررا لبيع الصوت، وأن التصويت ليس معروفا يردّ، بل أمانة يحاسب عليها.
-
انتخابات 2025… بين الوعي والخداع المتجدد
مع اقتراب الانتخابات البرلمانية المقبلة، تتكرّر المشاهد ذاتها، المال السياسي يعاود نشاطه، ووسائل الترغيب والتهديد تعاد بصيغ مختلفة، والوجوه القديمة تظهر في صور جديدة، وكأن الدرس لم يستوعب بعد.
لكن ما تغيّر هذه المرة هو أن الشارع العراقي بات أكثر انتباها، وأكثر قدرة على كشف المسرحيات الانتخابية التي تدار في الكواليس.
فالوعي الجمعي، وتجارب السنوات الماضية، كشفت زيف الكثير من الشعارات، وفضحت طرق شراء الأصوات واحتكار الإرادة، ومع كل دورة انتخابية، تتراجع مساحة الوهم لصالح وعي يتكوّن ولو ببطء.
-
المشاركة عقوبة للمزورين لا مكافأة لهم
في كل مرة يكشف فيها حجم التلاعب، يلجأ البعض إلى الدعوة للمقاطعة بوصفها شكلا من أشكال الرفض، لكن المقاطعة، في واقع الحال، هي الهدية الأكبر التي تقدّم للمزورين، فكل صوت غائب هو فراغ يملأ بالمال والنفوذ، والعقوبة الحقيقية للمزورين لا تكون بالانسحاب، بل بالمواجهة والمشاركة.
المشاركة ليست تصديقا للعبة، بل قلب لقواعدها، وأن يذهب المواطن إلى الاقتراع لا ليطيع، بل ليعاقب، وأن يصوّت خلاف رغبة من حاول ابتزازه أو شراءه، وأن يمنح صوته للنزيه، وللوطني، ولمن لم يمد يده لسرقة وعي الناس.
بهذه المشاركة الواعية وحدها يمكن تحويل الصندوق من أداة تزوير إلى أداة مقاومة سلمية، ومن منصة خداع إلى مساحة استعادة للكرامة.
-
حين يصبح الوعي هو الصندوق الحقيقي
قد يزوّر الصندوق، وقد تشترى الأصوات، وقد يجبر الناس على التصويت خوفا أو طمعا، لكن ما لا يمكن تزويره هو وعي المجتمع حين يبدأ برفض اللعبة من داخلها.
فالصوت الحقيقي ليس ما يودع في الورقة الانتخابية، بل ما يستيقظ في ضمير الناس عندما يدركون أن الكرامة لا تباع، وأن الحرية لا تهدى.
عندها فقط، لن يعود التزوير الساذج مجديا، لأن الشعب الذي يتعلّم كيف يفكّر، لا يمكن لأحد أن يملي عليه كيف ينتخب.


