بين (تبييض الأموال وتبييض السمعة) خطوات عملية تقوم بها الأطراف المتورطة في العمليات المالية للإقتصاد الأسود، للتحايل على القانون والحصول على وجاهة وسمعة نظيفة وحصانة داخل المجتمع!
إنشاء المصارف والشركات التجارية والصناعية تُعد الخطوة الأولى في عملية سحب الأموال بطرق احتيالية وشراء الدولار لغرض تبييضه، عبر مداورته في أكثر من نشاط مصرفي وتجاري داخل وخارج البلد!
شبكات متكاملة للتبييض المالي
تتشكّل هذه الشبكات اقتصادياً عبر شركات واجهات ومعاملات تجارية وهمية تُستخدم لتبرير تدفقات نقدية كبيرة، وتوظيف ممارسات مثل تضخيم الفواتير وإعادة الفوترة والتسعير المزدوج. تعتمد العملية على سلاسل تحويلات بين بنوك محلية ونافذات مالية خارجية، وسماسرة مختصين، ما يؤدي إلى تشوّه أسعار السوق المحلية، وإضعاف فعالية سياسات النقد والرقابة المصرفية، كما يخلق التزامًا ضخمًا على الجهاز المصرفي يتجلى في تآكل احتياطات النقد الأجنبي وارتفاع المخاطر النظامية.
خلال عملية تبييض الأموال، تُستغلّ العديد من المسارات والموارد والشخصيات في عملياتٍ معقدة وسرّية، يُدفَع فيها الكثير من الأموال والامتيازات، حتى الحصول على أموال بيضاء (نظيفة قانونيا) يمكن استثمارها في الاقتصاد والسوق بشكل طبيعي!
تعتمد هيكلية شبكة تبييض الأموال على منظومة متكاملة من التجار ورجال الأعمال والمصرفيين، وحتى رجال القانون وشخصيات تشريعية وسياسية وأمنية. وبدون هذا التكامل، لن تكتمل سلسلة تبييض الأموال ولن تسير العملية بسلاسة أو في إطارٍ محمي!
آليات بناء السمعة
تتجاوز آليات تبييض السمعة الصرف المالي إلى استثمار الرمزية: تمويل حملات سياسية واجتماعية، إنشاء مؤسسات خيرية وتعليمية وصحية تحمل أسماء براقة، وشراء نفوذ في وسائل الإعلام وصناديق دعم ثقافي لتبييض السجل أمام الجمهور والمؤسسات. اقتصادياً، تؤدي هذه الآليات إلى احتكار موارد رمزية ومادية، وإعاقة المنافسة المشروعة، كما تمنح حاملي الأموال المزيفة قدرة سياسية تمنع أو تؤخر إجراءات التتبّع والمصادرة، ما يرسّخ أثرها السلبي على الحوكمة والشفافية والإنفاق العام.
وبعد إنجاز مهام تبييض الأموال، تأتي مرحلة (تبييض السمعة)، وهي المرحلة التي يُجرى خلالها وضع الشخصيات المتورطة في عمليات التبييض المالي في مناصب مدنية ذات قيمة سياسية واقتصادية ومجتمعية، لخلق سمعة نظيفة لكنها مصطنعة!
وتشمل هذه المناصب مواقع رياضية أو حكومية رفيعة، أو قيادة أحزاب سياسية للدخول إلى البرلمان والمشاركة في الحياة السياسية، مع تنفيذ بعض الأعمال الخيرية والمجتمعية كتأسيس الجامعات والمستشفيات، وكل ذلك بدعمٍ إعلامي واسع لتحويل تلك الشخصيات السيئة إلى شخصيات (خَيّرة) أمام الجمهور!
وهكذا يكتمل مسلسل تبييض الأموال وتبييض السمعة، فنجد في النهاية شخصياتٍ خطِرة ساهمت في عمليات التبييض المالي، لكنها أصبحت رموزًا خيّرة سياسية ورياضية واقتصادية واجتماعية لها ماكينة إعلامية وقوة مالية وعلاقات واسعة تحميها وتلمع صورتها!
هذه الشبكات أصبحت بالعشرات، واكتسبت قوة سياسية ومالية واقتصادية كبيرة ويصعب في ظلّ الوضع القائم ملاحقتها وتفكيكها ومعاقبة أصحابها قانونيًا، وهذا ما يجعل الاقتصاد الوطني وموارده في هذه المرحلة رهينة بيد حفنة من مُبيِّضي ومُهرِّبي الأموال بواجهات براقة لكنها مزيفة!


