الانتخابات في العراق: بين المقاطعة والمشاركة

الانتخابات في العراق: بين المقاطعة والمشاركة
تحلل المقالة المشهد الانتخابي في العراق منذ 2003، مسلطة الضوء على الصراع بين المقاطعين والمشاركين، مشيرة إلى أن المشاركة الواعية توفر فرصة للإصلاح، بينما تعزز المقاطعة استمرار الفساد والانقسامات الطائفية....

تُعد الانتخابات عملية ديمقراطية وركيزة أساسية في أي دولة تهدف لبناء نظام ديمقراطي، فهي الوسيلة الآمنة والآلية القانونية لتداول السلطة سلمياً، كما أنها التعبير الأصدق عن إرادة الشعب في اختيار ممثليه الذين يشكلون برلماناً تُنتخب عنه حكومة شرعية.

المشهد السياسي بعد 2003

إلا أن المشهد الانتخابي في العراق، منذ سقوط النظام الدكتاتوري عام 2003 وحتى اليوم، تحوّل إلى معادلة سياسية معقدة يتصارع فيها أطراف عديدة للحصول على أكبر عدد من المقاعد البرلمانية لضمان المكاسب والنفوذ.
ورغم كل ما يرافق العملية الانتخابية من تشكيك واتهامات بالتزوير، فإن الجلوس حول طاولة المفاوضات بين رؤساء الكتل الكبيرة هو الذي يحسم الجدل في النهاية، عبر توزيع الحصص والمناصب.
وقد أصبح هذا العرف السياسي واقعاً مفروضاً بفعل ظروف البلاد الداخلية والتدخلات الخارجية التي تسعى إلى إضعاف العراق والهيمنة على قراره السياسي.

المقاطعة والمشاركة… صراع العناوين

تبرز في الدورة الانتخابية الحالية إشكالية جديدة تتمحور حول طرفين رئيسيين من المكون الشيعي، يمثل كل منهما اتجاهاً معاكساً للآخر ظاهرياً: المقاطعون والمشاركون.
وقد غُلّف هذا الصراع بشعارات براقة من الجانبين، لكن الممارسات على الأرض تكشف عن أهداف خفية لفريق المقاطعة تعيق بناء الدولة وتعمق أزماتها.
فالمقاطعون يرفعون شعار رفض المشاركة بحجة هيمنة الفاسدين على العملية السياسية، فيما يرد الطرف الآخر بأن المقاطعة هي التي تكرّس وجود الفاسدين وتمنحهم فرصة التمدد في ظل غياب المنافسين الجادين.

أي الفريقين أقرب إلى الصواب؟

بقراءة متأنية لطبيعة المشهد، يبدو أن رأي المشاركين أكثر عقلانية وواقعية.
فالمقاطعة تتيح فعلياً بقاء الفاسدين في مفاصل الدولة، بينما تمنح المشاركة – ولو نظرياً – فرصة للإصلاح من الداخل، ونافذة لتغيير المعادلات عبر التصويت الواعي.
وما يزيد الموقف تعقيداً أن فريق المقاطعة نفسه شارك في معظم الحكومات المتعاقبة منذ 2003، وشغل العديد من أفراده مناصب حساسة، ولم تكن أيديهم في كثير من الحالات نظيفة من تهم الفساد أو سوء الإدارة، ما يجعل شعار المقاطعة بسبب وجود الفاسدين ذريعة سياسية أكثر منه موقفاً مبدئياً.

الكفاءات الغائبة والوجوه المتكررة

وسط هذا الجدل، يغيب حضور الكفاءات الوطنية في القوائم الانتخابية إلا القليل النادر.
ويعود الخطاب الطائفي مجدداً على ألسنة من لا يؤمنون بالديمقراطية أصلاً، ما يثير القلق من عودة الانقسام والاحتقان في مرحلة يُفترض أن تكون خطوة نحو الاستقرار.
ومع استمرار عقلية المحاصصة، يصبح الإصلاح مجرد شعار انتخابي يُرفع لكسب الأصوات ثم يُنسى بعد إعلان النتائج.

المقاطعة والمشاركة… وجهان لمصلحة واحدة

الحقيقة المرة أن المستفيدين من هذه المعادلة – سواء بالمقاطعة أو المشاركة – هم الأطراف السياسية ذاتها.
فالمقاطع يضمن مصالحه من خلال جمهوره الذي يستطيع تحريكه في الشارع متى شاء، حتى من دون خوض الانتخابات.
أما المشارك، فيستفيد من نظام المحاصصة الذي يوزّع المكاسب بالتساوي بين الكتل، فيغدو الخلاف بينهما شكلياً أكثر منه جوهرياً.
وفي النهاية، يبقى المواطن هو الخاسر الأكبر، لا يجد سوى الوعود المتكررة والخيبات المتجددة.

المشهد الميداني والازدواجية الانتخابية

تتعمق الفجوة أكثر في مناطق الوسط والجنوب، حيث تنتشر دعوات المقاطعة مصحوبة بحملات تسقيط وتمزيق لصور المرشحين.
بينما في المقابل، نشهد تحشيداً واسعاً للمشاركة في إقليم كردستان والمناطق ذات الأغلبية السنية، ما يعيد إنتاج التفاوت السياسي ويكرّس الانقسام الوطني.
ويبقى السؤال المعلّق: هل هناك بوادر حقيقية للخروج من معادلة المحاصصة لدى أي من الأطراف؟
الإجابة تبدو مؤلمة: لا، إذ ما زالت القوى السياسية جميعها أسيرة المصالح والحسابات الضيقة.

نداء الإصلاح الحقيقي

ولن يتحقق التغيير المنشود إلا حين يُنتخب برلمان يحمل هموم المواطن والوطن، ويبتعد عن هيمنة الوجوه المكررة والبيروقراطيين والمراهقين سياسيًا، ممن لا همّ لهم سوى المواكب والسيارات الفارهة والتصريحات الجوفاء.
إن استعادة الثقة بالانتخابات تبدأ من وعي الناخب واختياره المسؤول، لا من حملات المقاطعة التي تصبّ في مصلحة الفاسدين.

مفارقات المشهد السياسي

وما يزيد المشهد مأساة أن أحد المرشحين في بغداد كتب على صورته الانتخابية: نعيم نعيمكم باجر وعكبة يفيدكم، وهي عبارة تلخص الانحدار في الخطاب الانتخابي.
هنا يقف العراقي بين البكاء على حال بلده أو الضحك على مأساته، فبلد الحضارة والأدب والعلم صار مسرحاً لمن لا يعرفون حتى أبجديات السياسة، ناهيك عن مسؤولياتها.

خطر تعطيل الانتخابات باسم الإصلاح

وربما تتفاقم الأمور إذا لجأ بعض من يدّعون محاربة الفساد إلى قطع الطرقات وتعطيل الدوام في مناطق الوسط والجنوب لمنع الانتخابات بحجة محاربة الفاسدين، بينما تُجرى الانتخابات في مناطق أخرى بحرية تامة لانتخاب فاسدين من مكوناتهم.
إن هذه الازدواجية لا تخدم سوى من يسعون إلى إبقاء العراق في دوامة الطائفية والانقسام.

ومع كل ذلك، يبقى الأمل معقوداً على الشرفاء من أبناء العراق، ممن لم تتلوث أيديهم بالمال الحرام، ليتصدوا بالقول والفعل للفساد والفاسدين، وينهضوا بالبلاد بعيداً عن شعارات المقاطعة والمشاركة المجردة، داعين إلى مشاركة واسعة في الانتخابات، مع التركيز على حسن الاختيار، فـ “كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته” كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

والله حامي العراق والعراقيين من شر الفاسدين والحاقدين والمتربصين به سوءاً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *