الفجوة بين الرؤية والواقع أوسع بكثير. اعترفت بريطانيا وفرنسا ودول أخرى – باستثناء أمريكا – رسميًا بالدولة الفلسطينية. على أرض الواقع، تتلاشى هذه الدولة المنشودة. حوّل الجيش الإسرائيلي غزة إلى أرضٍ قاحلة محتلة. ويحرم وزير المالية الإسرائيلي، بتسلئيل سموتريتش، الإدارة الفلسطينية من الضرائب التي تُبقيها على قيد الحياة. في الثالث من أيلول (سبتمبر)، قدّم خريطةً تتضمن رؤيته لضم الأراضي الفلسطينية. أظهرت الخريطة سيطرة إسرائيل على جميع أراضي الضفة الغربية باستثناء 18% منها، وهي الأراضي التي احتلتها إسرائيل عام 1967 والتي ستشكل جوهر أي دولة فلسطينية مستقبلية، وتقليص عدد مدنها إلى ست جزرٍ معزولة.
يتحدث بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي، عن إسرائيل الكبرى. وقد هددت حكومته القومية المتطرفة بضم الضفة الغربية إذا اعترفت الدول الغربية بدولة فلسطينية. في الواقع، لقد حدث الضم بالفعل. والمفارقة هي أنه كلما ازدادت قوة الرؤية الخارجية حول دولة فلسطينية، كلما تلاشت على أرض الواقع.
لمعرفة ما هو قائمٌ بالفعل من دولة فلسطينية، عليك التوجه إلى رام الله، التي كانت لثلاثة عقود الواجهة الإدارية للسلطة الفلسطينية، الحكومة المفترضة لدولة فلسطين المستقبلية. وبينما عانت غزة من عامين من الدمار، لا تزال رام الله، الواقعة على ارتفاع شاهق فوق القدس في الضفة الغربية المحتلة، تفيض سحرًا. في شوارعها المرصوفة بالحصى، تظهر حانات ومقاهي ومباني حكومية جديدة كل شهر. ومع ذلك، تبدو وكأنها قرية بوتمكينية.
في معظم الليالي، يُنفذ الجنود الإسرائيليون مداهمات، وأحيانًا يقودون سياراتهم رباعية الدفع رافعين الأعلام الإسرائيلية حول مقر المقاطعة، أي قصر الرئاسة الفلسطينية، ساخرين من عجزه. وحتى في النهار، يتردد صدى إطلاق نيرانهم في وسط المدينة.
في هذه الأثناء، يشن المسؤولون الإسرائيليون حربًا اقتصادية. منذ تأسيسها عام 1994، اعتمدت السلطة الفلسطينية على عائدات الجمارك التي تجمعها إسرائيل نيابةً عنها في موانئها. وقد منعت الحكومة الإسرائيلية الحالية تحويل هذه الأموال إلى السلطة الفلسطينية. خفضت السلطة رواتب موظفيها إلى النصف أو أكثر، وهي متأخرة في دفع الرواتب. ولتوفير المال، أجّلت السلطة فتح المدارس لمدة أسبوع، وطلبت من الموظفين وقوات الأمن العمل يومين في الأسبوع.
والأسوأ يلوح في الأفق. فالنظام المصرفي الفلسطيني مرتبط بالنظام الإسرائيلي. لكن بتسلئيل سموتريتش أوقف البنوك الإسرائيلية عن التعامل مع البنوك الفلسطينية، ما منع الشركات من دفع ثمن البضائع القادمة من إسرائيل. حتى في ذروة الانتفاضة الثانية، كانت الحاويات القادمة من إسرائيل تدخل الضفة الغربية. لكن هذه الحركة تباطأت أيضًا. يقول رئيس سلطة النقد الفلسطينية، السيد يحيى شنار: “خلال أسابيع، سينفد ما لدينا من مواد أساسية وبنزين”. كان الفلسطينيون يعتمدون في السابق على دخلهم من العمل اليدوي في إسرائيل. لكن منذ هجمات 7 تشرين الأول (أكتوبر) 2023، منعتهم إسرائيل من الدخول.
على بُعد ميلين من مركز رام الله، تتلاشى حتى واجهة الحكم الذاتي. يمنع جدار الفصل الإسرائيلي الوصول إلى القدس الشرقية، عاصمة فلسطين المُعلنة من جانبٍ واحد. يتطلب الوصول إلى بقية الضفة الغربية سلوك طرقٍ مزدحمة وغالبًا ما تخضع لإغلاقٍ عسكري. رحلات تستغرق دقائق في العادة، لكنها تستغرق ساعات في واقع الأمر.
أرضك هي أرضي
بمجرد عبورك جدار الفصل، يتغير المشهد من فلسطيني إلى إسرائيلي. تبرز نجمة داوود الفولاذية على جوانب الطرق، تحمل أسماءً يهودية مثل “قلب يهوذا”. تشير لافتات الطرق إلى مستوطناتٍ يهودية، لا إلى بلداتٍ فلسطينية. وكثيرًا ما غُطيت الترجمة العربية للأسماء العبرية. تُحيي لوحة إعلانية بالعبرية “شباب التلال”، وهم متطرفون يهود في “مهمة لتطهير الأرض من العرب”.
لقد وجد هؤلاء المستوطنون طرقًا لتسريع الاستيلاء على الأراضي. ينطوي إنشاء المستوطنات القانونية على بيروقراطية مملة. وبدلاً من ذلك، أنشأ المستوطنون العشرات من البؤر الاستيطانية الزراعية الجديدة، والتي تضاعف عددها أربع مرات منذ عام 2018. وهي تغطي الآن 14٪ من مساحة الضفة الغربية، وفقًا لمنظمة كيرم نافوت، وهي منظمة مراقبة إسرائيلية. بعض الرعاة عنيفون للغاية لدرجة أنهم كانوا يُعتبرون في السابق خطرين للغاية للتجنيد في القوات المسلحة الإسرائيلية. وصفت الحكومات السابقة مداهماتهم بالمذابح، وكان اليهود هم الجناة. لكن هذه الحكومة وزعت عليهم أسلحة وبزات عسكرية. رسميًا، تعتبر الدولة الإسرائيلية مزارعهم غير قانونية. لكنها في الواقع توفر لهم الكهرباء، والماء، والأسوار، والحماية العسكرية. وتغض الطرف عندما يحرقون ويدمرون بساتين الزيتون والآبار الفلسطينية.
تخترق الحواجز العسكرية الطرق المؤدية إلى المدن والبلدات والقرى الفلسطينية، محولةً إياها إلى أرخبيل من التجمعات السكانية المنعزلة. قبل نحو اثني عشر عامًا، تم افتتاح مجمعات روابي، وهي مدينة تقع على أطراف رام الله، بُنيت لسكن النخبة الفلسطينية بتكلفة مليار دولار، وسط احتفالاتٍ صاخبة. رُفعت فيها أعلام فلسطينية ضخمة، وبها مدرج، وإطلالات تسمح بالنظر على ناطحات سحاب تل أبيب الساحلية. لكن السكان يقولون إن المستوطنين يأتون بانتظام لتمزيق الأعلام المرفوعة فيها. “ارجع وإلا سأطلق النار عليك”، أمر جندي إسرائيلي على الطريق المؤدي إلى الموقع مراسل مجلة الايكونومست عندما حاول دخول المنطقة.
تم ضم القدس الشرقية، عاصمة فلسطين المُفترضة، إلى إسرائيل قبل 45 عامًا، ومُحيت منها الرموز الفلسطينية. يُعتقل بائعو الكتب الذين يجرؤون على عرض كتب بأغلفة عليها صورة علم فلسطين للاشتباه في دعمهم للإرهاب. الطريق الذي كان يمر عبر القدس الشرقية مغلق الآن، لذا تمر الرحلة إلى بيت لحم والخليل عبر نقطة تفتيش مشددة في عمق صحراء يهودا.
في 20 آب (أغسطس) الماضي، أصدرت إسرائيل الموافقة النهائية على مشروع E1، وهو كتلة استيطانية تضم 3,400 وحدة سكنية في البداية. سيقطع المشروع الضفة الغربية خلال مركزها. ستُصبح بيت لحم ورام الله منفصلتين تمامًا كما هي الضفة الغربية وغزة اليوم، بعد أن كانت تفصل بينهما مسافة قصيرة بالسيارة.
ربما كانت السلطة الفلسطينية تلجأ في السابق إلى الفلسطينيين في إسرائيل، الذين يشكلون 20% من السكان، للدفاع عن قضيتهم أمام الإسرائيليين. ولكن مع تزايد نفوذ المتطرفين اليهود، تراجع نفوذ المواطنين غير اليهود في إسرائيل. وفي كل انتخابات، تتزايد الدعوات لحرمان المواطنين العرب من التصويت.
لقد تآكلت أي مكانة كانت للسلطة الفلسطينية يومًا ما بسبب تحفظها على ما يحدث في غزة. قال معلق غربي مصدوم التقى السيد محمود عباس، الرئيس الفلسطيني، أثناء جولة خارجية حديثة له: “لم يُبدِ أي تعاطف أو حزن على معاناة سكان غزة العاديين”. استبعدت إسرائيل وحماس والأمريكيون السلطة الفلسطينية من المفاوضات. لا أحد يُرحب باحتمال عودتها إلى غزة. السلطة الفلسطينية نفسها تبدو متوترة. يسأل مسؤول أمني فلسطيني في رام الله: “إذا لم نستطع حكم الضفة الغربية، فكيف سنحكم غزة يومًا ما؟”
لقد أذهل رضوخ الرئيس محمود عباس لتفكيك فلسطين حتى أقرب مؤيديه. كان ينبغي أن يكون الاعتراف الغربي بفلسطين لحظته المُنتظرة، لكن دبلوماسيًا في رام الله يقول بأسف: “فريقه غافلٌ عن القيادة”. آخر مقابلة إعلامية للرئيس محمود عباس سبقت الحرب. وقد أجراها مع التلفزيون الرسمي الصيني، وكان مغمض العينين في معظم الأحيان.
مع إسرائيل، لعب دوره في تفكيك المؤسسات الفلسطينية التي كانت تهدف إلى أن تكون نواة دولة ذات سيادة. حلّ البرلمان عام 2007. الرجل البالغ من العمر 89 عامًا يقضي الآن عامه الحادي والعشرين على رأس السلطة الفلسطينية، ويحكم من خلال إصدار مراسيم ويقمع الحوار العام. تشتعل الاحتجاجات من أجل فلسطين في جميع أنحاء العالم، ولكن ليس في مملكة السيد محمود عباس.
حتى مع وعود الحكومات الغربية بإقامة دولة فلسطينية، يزداد يأس الفلسطينيين من تحقيقها. لقد علّم الدمار الذي خلّفه الهجوم الإسرائيلي على غزة معظم الفلسطينيين عقم المقاومة المسلحة. ورغم الضغط المتواصل في الضفة الغربية، يبدو أن الرغبة في مواجهة جيش إسرائيل ومستوطنيها محدودة. تراجع الدعم لحماس، الذي ازداد في أعقاب هجماتها في تشرين الأول (أكتوبر) 2023. وفي الانتخابات الأخيرة لنقابتي الأطباء والمحامين، هزمت فتح حماس في معظم أنحاء الضفة الغربية.
يريد الكثير من الفلسطينيين ببساطة الرحيل. يقول وكلاء العقارات إن سوق العقارات في عمّان، عاصمة الأردن، يعجّ بأموالٍ جديدة من سكان الضفة الغربية الباحثين عن الأمان في منزلٍ ثانٍ. ويتطلع آخرون إلى الدول الأوروبية التي تُسرّع إجراءات الحصول على الجنسية عند شراء العقارات. أما من بقوا، فيركزون على قوت يومهم لا على الحلول طويلة الأمد. إنهم يريدون فقط أن يتوقف إرهاب القنابل والجنود والمستوطنين.
العمل مع العدو
ولذلك، قد يكون التهديد الأكبر لرؤية الفلسطينيين لدولتهم هو سعي البعض لمزيد من التوافق مع إسرائيل. يتحدث مستشارو بنيامين نتنياهو عن إنشاء “إمارة الخليل”، وهي بلدية تتمتع بالحكم الذاتي وتتعامل مباشرة مع إسرائيل. من شأن ذلك أن يسلب السلطة الفلسطينية أكثر مدن الضفة الغربية سكانًا، ومركزها الاقتصادي الرئيسي، ومصدرها الرئيسي للضرائب. وقد يمهد الطريق لضم الضفة الغربية تحت العلم الإسرائيلي.
للفكرة مؤيدوها المحليون. في الوقت الحالي على الأقل، سيبقى معظم سكان الخليل على أرضهم، ويمكنهم الاستفادة من علاقات مباشرة مع إسرائيل. إنهم لا يكنّون أي ود للسلطة الفلسطينية. لطالما دفعت العشائر والعائلات التجارية المسيطرة على الخليل ضرائبها للسلطة الفلسطينية على مضض. هناك أعلام فلسطينية أكثر في لندن من مدينة الخليل. العلاقات المباشرة مع البنوك الإسرائيلية ستُسهّل الأعمال. بعض التجار فتحوا بالفعل حسابات مصرفية إسرائيلية. يحلم آخرون بالتقدم بطلب للحصول على الجنسية والتمتع بنفس الامتيازات النسبية التي يتمتع بها المواطنون الفلسطينيون في إسرائيل. يتنبأ تاجر ذهب فلسطيني في بيت لحم: “نحن في طريقنا للحصول على جوازات سفر إسرائيلية. سنتحرر من هذا السجن. سيعود السياح وسنتمكن من السفر”.
بالمقارنة مع ما يحدث في غزة، يبدو الخضوع لإسرائيل خيارًا حميدًا. لو طُلب من الفلسطينيين في استفتاءٍ ما إذا كان ينبغي لإسرائيل أن تحكمهم مباشرةً، فقد يوافق الكثيرون.
لكن السكان اليهود في إسرائيل أقل ميلاً للاندماج من أي وقت مضى. أظهر استطلاع للرأي أُجري في أيار (مايو) الماضي أن أكثر من نصفهم يرغبون في نفي الفلسطينيين الحاملين للجنسية الإسرائيلية. ويريد حوالي 80% منهم طرد الفلسطينيين من غزة، وهو ما يقارب ضعف النسبة المسجلة قبل عقدين من الزمن، في ذروة الانتفاضة الثانية. ويخشى كثير من الفلسطينيين أن تكرر إسرائيل في الضفة الغربية ما فعلته في غزة. لم تصل نشوة إعلان الدولة الفلسطينية من نيويورك إلى بيت لحم. وكما قال أحد بائعي البقالة هناك: “لقد تعلمنا أن الوعد بالتغيير نحو الأفضل ينتهي دائمًا بتغييرٍ نحو الأسوأ”.
* في السياسة والاقتصاد، قرية بوتيمكين هي بناء (حقيقي أو مجازي) الغرض منه توفير واجهة خارجية لموقفٍ ما، لجعل الناس يعتقدون أن الموقف أفضل مما هو عليه في الواقع. يأتي أصل الكلمة من اسم غريغوري بوتيمكين، الذي كان وزيراً وحبيباً للإمبراطورة الروسية كاثرين الثانية.


