إصلاحات تُدار بالتصريحات
في وقت يتحدث فيه العالم عن التحول الرقمي كرافعة للاقتصاد المعرفي، يعلن محافظ البنك المركزي العراقي عن تلقّي أكثر من 80 طلبًا لتأسيس مصارف رقمية.
ظاهريًا، يبدو الأمر وكأنه قفزة نوعية نحو التحديث المالي. لكن واقعيًا، فإن هذه الخطوة تكشف عمق الإشكالية البنيوية في غياب الرؤية والإستراتيجية الاقتصادية الواضحة، واستمرار الاستنساخ الأعمى للتجارب الأجنبية دون مواءمة مع البيئة المالية والتنظيمية العراقية.
أرقام بلا جدوى وواقع بلا رؤية
وفق تصريحات المحافظ، فإن البنك المركزي لا يعتزم منح التراخيص إلا «وفق معايير محددة»، رغم تسلمه ما بين 70 إلى 80 طلبًا. لكن قبل الحديث عن “المصارف الرقمية”، لا بد من مراجعة الواقع: من بين أكثر من 70 مصرفًا عاملًا في العراق، هناك ما يقارب: 14 مصرفًا خاضعًا لعقوبات أو قيود دولية، 12 مصرفًا يعاني من شبه توقف فعلي في النشاط التجاري والمصرفي. نحو 15 مصرفًا في حالة تصفية أو إعادة هيكلة قسرية. وما لا يقل عن 10 مصارف فقدت ثقة السوق أو رأس المال الكافي للعمل.
أي أن أكثر من نصف القطاع المصرفي العراقي يعمل بأقل من 40% من كفاءته التشغيلية، وفق تقديرات السوق لعام 2025. فكيف يمكن الحديث عن مصارف رقمية في منظومة ما زالت تتعامل بالورق والنقد اليدوي بنسبة تتجاوز 85% من مجمل التعاملات المالية اليومية؟
استنساخ التجارب بلا بيئة مؤسسية
العراق يحاول، مجددًا، استنساخ نموذج التحول الرقمي الذي نجح في السعودية أو الإمارات، متناسيًا أن نجاح تلك التجارب استند إلى: بنية تحتية مصرفية رقمية متكاملة. وتشريعات واضحة لحماية البيانات والمعاملات الإلكترونية. ومستويات ثقة عالية بين المواطن والنظام المالي.
أما في العراق، فما زال المواطن يواجه أعطال مستمرة في أنظمة الدفع الإلكتروني. وتأخير في التسويات المالية بين المصارف. وغياب تام لقواعد حماية المستخدم الرقمية. وتشتت بين التعليمات الصادرة من البنك المركزي، وهيئة الضرائب، وهيئة الإعلام، والجهات الأمنية.بمعنى آخر نحن نحاول بناء طابق رقمي على أساس ورقي هش.
الإجراءات بلا أثر والقرارات بلا خطة
الاستعانة بشركة أوليفر وايمان لمراجعة المعايير خطوة تبدو تقنية محترفة، لكنها ليست بديلاً عن غياب الرؤية الوطنية.
فما جدوى وضع معايير دولية بينما لم تُستكمل بعد خطة الإصلاح المصرفي التي أعلن عنها منذ عام 2023، ولم يُفعّل منها سوى 30% وفق بيانات وزارة المالية؟
التحول الرقمي لا يبدأ بتأسيس مصارف جديدة، بل بإصلاح المصارف القائمة المترهلة، وتوحيد أنظمة الدفع، وفرض حوكمة مالية صارمة.
إن إنشاء 3 أو 4 مصارف رقمية في بيئة مالية غير مستقرة سيحوّلها إلى مجرد واجهات تجميلية لاستعراض التطور أمام المؤسسات الدولية، لا أكثر.
المواطن خارج الحسابات
في بلد يتجاوز فيه عدد السكان 43 مليون نسمة، لا يمتلك أكثر من 23% منهم حسابًا مصرفيًا فعّالًا، ولا يستخدم أكثر من 10% خدمات الدفع الإلكتروني بانتظام.
إذن، من سيكون زبون “المصرف الرقمي”؟
وما الفائدة من نظام إلكتروني متطور إذا كانت الثقة الشعبية بالمؤسسات المصرفية شبه معدومة بسبب الفساد، والبيروقراطية، والتمييز في الخدمات؟ كما يقول المثل الأواني الفارغة تحدث ضجة أكثر من الأواني الممتلئة وكذلك البشر لا يحدث ضجة إلا ذو العقول الفارغة فلا تضيع وقتك بالمجادلة معهم أي لم يتحرك النظام المالي خطوة حقيقية رغم الضجيج الإصلاحي. السبب بسيط: كل ما يجري ليس تحولًا رقميًا بل تدويرًا للمصطلحات القديمة بأسماء جديدة.
فالتحول الرقمي يحتاج إلى:
1.إصلاح تشريعي وقانوني يحمي المعاملات الرقمية.
2.نظام رقابة مالية إلكتروني موحد.
3.بيئة رقمية مؤمنة ومربوطة بالمؤسسات الحكومية والضريبية والكمركية.
4.مبادرة تعليم مصرفي رقمية للمواطنين والشركات الصغيرة.
كل ذلك لم يتحقق بعد، وما يجري الآن مجرد تغليف ورقي بمصطلح رقمي.
حين تُقاس التطورات بالتصريحات لا بالنتائج، تتحول السياسة المالية إلى إدارة ضجيج لا إدارة تنمية.
فالعبرة ليست بعدد الطلبات المقدمة لتأسيس المصارف الرقمية، بل بعدد المصارف القادرة على خدمة المواطن والمستثمر بثقة وشفافية وكفاءة.
وحتى تتحول الرؤية إلى خطة، والخطة إلى أرقام، ستبقى اللافتة رقمية… والمضمون نقدي ورقي بامتياز.


