هجوم خط شرق غرب السعودي وتداعياته في اطار الاقتصاد السياسي الاقليمي

هجوم خط شرق غرب السعودي وتداعياته في اطار الاقتصاد السياسي الاقليمي
يكشف استهداف خط شرق–غرب السعودي هشاشة أمن الطاقة الإقليمي، ويضع سيادة العراق أمام اختبار حاسم، فيما تتشابك مخاطر النفط والتجارة والاستثمار مع ضرورة منع استخدام الأراضي العراقية للصراعات الخارجية وتعزيز التعاون الأمني والاقتصادي مع دول الجوار...

يمثل استهداف خط انابيب شرق غرب السعودي تطورا يتجاوز في دلالاته حدود العمل العسكري المباشر ليشكل اختبارا لمنظومة امن الطاقة في الخليج وللقدرة السياسية للعراق على حماية سيادته ومنع استخدام اراضيه في استهداف دول الجوار وتزداد حساسية الحادث بسبب الموقع الاستراتيجي للخط الذي يمتد لنحو 1200 كيلومتر ويربط مناطق الانتاج النفطي في شرق السعودية بميناء ينبع على البحر الاحمر بما يمنح المملكة مسارا لتصدير النفط بعيدا عن مضيق هرمز وتبلغ الطاقة القصوى للخط نحو سبعة ملايين برميل يوميا فيما قدرت مصادر اخرى التدفقات الفعلية قبل الحادث بنحو اربعة ملايين برميل يوميا وبحسب المعطيات المعلنة فان السعودية قالت ان طائرات مسيرة استهدفت الخط وانها انطلقت من الاراضي العراقية كما اعلنت السلطات العراقية لاحقا العثور على موقع يستخدم في اطلاق المسيرات ومباشرة تحقيقات امنية وفنية في ملابسات الهجوم وهنا تبرز نقطة مهمة في قراءة الموقف العراقي وهي ضرورة التمييز بين اثبات مكان انطلاق الهجوم وبين اثبات الجهة التي نفذته او مولته او وجهته فالعثور على موقع اطلاق داخل الاراضي العراقية يمثل دليلا مهما على وجود خرق امني وعلى استخدام الارض العراقية كنقطة انطلاق لكنه لا يعني بالضرورة ان التحقيق اكتمل في تحديد هوية المنفذين او الجهة السياسية التي تقف خلفهم وتزداد هذه المسألة اهمية في ظل عدم اعلان اي فصيل مسؤولية مباشرة عن الهجوم حتى الان ولذلك فان القراءة السياسية الرصينة ينبغي ان تتعامل مع الملف باعتباره قضية سيادة عراقية قبل ان يكون قضية اتهام سياسي لطرف بعينه من هذه الزاوية فان سرعة الموقف الحكومي العراقي يمكن فهمها باعتبارها محاولة لاحتواء الازمة ومنع تحولها الى ازمة بين بغداد والرياض او الى ذريعة لتوسيع نطاق المواجهة الاقليمية وقد اعلنت بغداد اتخاذ اجراءات امنية وتحقيقية في محافظة ميسان كما جرى اعفاء مسؤولين امنيين واحالتهم الى التحقيق بعد الاعلان عن ثبوت انطلاق الاعتداء من موقع داخل المحافظة وتكمن حساسية ميسان في موقعها الجغرافي وفي قربها من الحدود الايرانية وفي ارتباطها بشبكة من المعابر والحركة التجارية والامنية مع ايران ولذلك فان اي حادث امني كبير ينطلق من هذه المنطقة لا يبقى محصورا في بعدها المحلي بل يمكن ان يتحول بسرعة الى ملف اقليمي ومن الناحية الاستراتيجية فان اخطر ما في الحادث ليس الضرر المادي الذي لحق بالمنشآت السعودية فقط بل انتقال الصراع الاقليمي الى مرحلة استهداف البنى التحتية للطاقة من خارج ساحات المواجهة التقليدية فالهجمات على منشآت الطاقة تغير حسابات الدول لان النفط ليس مجرد سلعة اقتصادية بل يمثل احد مكونات الامن الوطني والامن القومي والقدرة على تمويل الدولة ومن هنا فان خط شرق غرب يمتلك قيمة استراتيجية مزدوجة بالنسبة للسعودية فهو من جهة قناة لنقل النفط ومن جهة اخرى وسيلة لتقليل الاعتماد على مضيق هرمز وعندما يتعرض هذا المسار البديل للتهديد فان المخاطر لا تتعلق بالسعودية وحدها بل تمتد الى السوق النفطية العالمية لان قدرة المنتجين الكبار على نقل صادراتهم تصبح جزءا من معادلة الاستقرار العالمي وقد انعكست هذه المخاوف بصورة مباشرة على الاسواق حيث ارتفعت اسعار النفط في اعقاب الهجوم قبل ان تتراجع جزئيا مع ظهور توقعات باستعادة جزء من الطاقة التشغيلية وامكانية استخدام مسارات بديلة وهذا يؤكد ان سوق النفط لا يتفاعل فقط مع حجم النفط المفقود فعليا بل يتفاعل كذلك مع احتمال فقدان الامدادات ومع درجة عدم اليقين المتعلقة بمدة الاغلاق وسرعة الاصلاح والقدرة على استخدام طرق بديلة وفي حالة استمرار توقف الخط لفترة طويلة فان السعودية قد تضطر الى زيادة الاعتماد على مسارات نقل اكثر كلفة واكثر تعرضا للمخاطر وهو ما يرفع علاوة المخاطر في السوق العالمية كما ان استمرار المخاطر في البحر الاحمر ومضيق هرمز في الوقت نفسه يعني ان منظومة تصدير النفط الاقليمية يمكن ان تواجه ضغطا مزدوجا يتمثل في تعطيل البنية البرية من جهة وتهديد طرق النقل البحرية من جهة اخرى.

وهذا هو السيناريو الذي ينبغي التعامل معه باعتباره الاخطر اقتصاديا

لان ارتفاع اسعار النفط في المدى القصير يمكن ان يؤدي الى زيادة ايرادات الدول المصدرة للنفط ومنها العراق اذا بقيت كميات التصدير مستقرة لكن هذه الفائدة لا ينبغي النظر اليها بمعزل عن بقية الاثار الاقتصادية.

فالعراق اقتصاد ريعي يعتمد بدرجة كبيرة على الايرادات النفطية وبالتالي فان ارتفاع سعر النفط قد يحسن الايرادات الحكومية على المدى القصير لكنه في الوقت نفسه يجعل الموازنة العراقية اكثر ارتباطا بالتقلبات الجيوسياسية كما ان استمرار ارتفاع اسعار النفط قد يرفع تكاليف النقل والشحن والتأمين والاستيراد ويزيد تكلفة السلع القادمة الى العراق ولا سيما اذا اتسعت الازمة لتشمل طرق التجارة الاقليمية.

ومن هنا فان المكاسب المحتملة من ارتفاع اسعار النفط قد تترافق مع تكاليف اقتصادية غير مباشرة يمكن ان تصل الى المستهلك والقطاع الخاص والمالية العامة اما على مستوى العلاقات العراقية السعودية فان الحادث يضع العلاقات الاقتصادية امام اختبار حساس فالتجارة بين البلدين شهدت توسعا خلال السنوات الاخيرة وتظهر البيانات السعودية ان صادرات المملكة الى العراق بلغت نحو 6.2 مليار ريال خلال عام 2025 بينما بلغت واردات السعودية من العراق نحو 66.4 مليون ريال خلال العام نفسه وهذا يعني ان المصالح التجارية القائمة ليست هامشية وان اي توتر سياسي او امني طويل يمكن ان ينعكس على حركة التجارة والاستثمار والمعابر الحدودية.

وهنا تبرز اهمية منفذ عرعر والمعابر التجارية بين البلدين باعتبارها جزءا من مشروع اوسع لاعادة بناء العلاقات الاقتصادية العراقية السعودية بعد سنوات من القطيعة والتوتر لذلك فان استمرار الازمة من دون معالجة سياسية وامنية يمكن ان يؤدي الى زيادة كلفة المخاطر على الشركات السعودية والعراقية وعلى المستثمرين الذين ينظرون الى الاستقرار السياسي والامني باعتباره شرطا اساسيا لتوسيع النشاط الاقتصادي وفي المقابل فان احتواء الحادث بصورة مؤسساتية يمكن ان يفتح المجال امام بغداد والرياض لتحويل الازمة الى فرصة لتعزيز التعاون في مجال امن الطاقة وحماية المنشآت الحيوية وتبادل المعلومات ومنع استخدام الحدود في اعمال تستهدف دول الجوار وهنا تظهر اهمية مفهوم السيادة الوقائية الذي طرحته السلطات العراقية بعد الحادث فهذا المفهوم لا يقتصر على منع الاعتداء على العراق وانما يعني ايضا منع استخدام الاراضي العراقية كنقطة انطلاق لاعتداءات على دول اخرى.

وهذا المفهوم يمكن ان يشكل اساسا جديدا في السياسة العراقية اذا جرى تحويله من خطاب سياسي الى منظومة عملية تشمل مراقبة الحدود وتطوير القدرات الاستخبارية وتعزيز السيطرة المؤسسية على المناطق الحدودية وملاحقة اي جهة تستخدم الاراضي العراقية في اعمال عسكرية خارجية أما من زاوية الاقتصاد السياسي فان القضية الاهم هي ان العراق لا يستطيع التعامل مع امن الطاقة باعتباره شأنا سعوديا او خليجيا فقط فالعراق نفسه من اكبر المنتجين والمصدرين للنفط وهو جزء مباشر من النظام النفطي العالمي ولذلك فان استهداف منشآت الطاقة في المنطقة يرفع المخاطر التي تواجه الاقتصاد العراقي ايضا كما ان استمرار الهجمات على البنى التحتية النفطية قد يؤدي الى تغير سلوك شركات الطاقة والمستثمرين ورفع تكاليف التأمين والاستثمار في المنطقة وهو ما يمكن ان ينعكس على جميع الدول المنتجة للنفط بما فيها العراق ولهذا فان مصلحة العراق الاقتصادية تتطلب بيئة اقليمية مستقرة تسمح باستمرار تدفق النفط والتجارة والاستثمار.

اما على المستوى الجيوسياسي فان الحادث يحمل رسالة اوسع تتمثل في ان الصراع الاقليمي لم يعد محصورا في الجبهات العسكرية المباشرة بل بات يمتد الى شبكات الطاقة والموانئ وخطوط الانابيب والمعابر التجارية وهذا النوع من الصراعات يفرض على الدول اعادة تعريف مفهوم الامن الاقتصادي كون المنشأة النفطية لم تعد مجرد منشأة انتاجية بل اصبحت جزءا من منظومة الردع والاستقرار السياسي والامن القومي أما بالنسبة للعراق فان التحدي الاساسي يتمثل في الحفاظ على التوازن بين علاقاته مع السعودية ودول الخليج من جهة وعلاقاته مع ايران والقوى السياسية العراقية المرتبطة بها من جهة اخرى وهذا التوازن لن يكون سهلا اذا تحولت الاراضي العراقية الى ساحة لتبادل الرسائل العسكرية بين اطراف اقليمية ودولية لذلك فان المصلحة العراقية تقتضي تثبيت قاعدة واضحة وهي ان العراق لا ينبغي ان يتحول الى منصة لاستهداف اي دولة مجاورة كما لا ينبغي ان يتحول الى ساحة لتصفية الحسابات الاقليمية وفي المقابل فان معالجة هذا النوع من الازمات لا ينبغي ان تتحول الى عقوبة سياسية او اقتصادية عامة تطال العلاقات العراقية السعودية او الى اجراءات تؤثر على التجارة وحركة المواطنين والمصالح الاقتصادية المشروعة بل المطلوب هو الفصل بين المسؤولية الامنية عن الهجوم وبين العلاقات الاقتصادية والاستراتيجية بين الدولتين ويمكن للعراق في هذا السياق ان يستثمر القنوات الدبلوماسية مع الرياض لتأسيس آلية مشتركة لامن الطاقة تشمل تبادل المعلومات والتحقيق في الحوادث ومراقبة المخاطر الحدودية والتنسيق في حماية خطوط النقل والمنشآت الحيوية كما يمكن تطوير التعاون الاقتصادي ليصبح عاملا من عوامل الاستقرار وليس مجرد نتيجة للاستقرار فالاقتصاد حين يكون متشابكا بين الدول يصبح في كثير من الاحيان اداة لخفض احتمالات التصعيد لان كلفة القطيعة تصبح اعلى من كلفة التسوية وفي المحصلة فان هجوم خط شرق غرب لا ينبغي قراءته باعتباره حادثا امنيا منفردا بل باعتباره جزءا من تحول اوسع في طبيعة الصراع الاقليمي حيث اصبحت الطاقة والبنية التحتية ومسارات التجارة ادوات مؤثرة في التوازنات السياسية والخطر الحقيقي بالنسبة للعراق لا يتمثل فقط في انطلاق هجوم من اراضيه بل في احتمال تكريس صورة العراق باعتباره ساحة يمكن استخدامها في الصراعات الاقليمية وهذه الصورة اذا ترسخت ستكون لها كلفة سياسية واقتصادية اكبر من كلفة الحادث نفسه اما اذا تمكنت بغداد من استكمال التحقيق بصورة مهنية وشفافة وتحديد المسؤوليات وفق ادلة قابلة للتحقق واتخاذ اجراءات تمنع تكرار استخدام الاراضي العراقية في مثل هذه العمليات مع الحفاظ على العلاقات الاقتصادية مع الرياض فان الازمة يمكن ان تتحول من مصدر تهديد الى نقطة اعادة تعريف لدور العراق في منظومة امن الخليج وفي النهاية فان امن الطاقة في المنطقة لا يمكن فصله عن امن العراق ولا يمكن فصل العلاقات الاقتصادية العراقية السعودية عن البيئة الجيوسياسية المحيطة بهما ولهذا فان المصلحة الاستراتيجية للعراق تكمن في بناء دولة قادرة على ضبط حدودها ومنع استخدام اراضيها في الصراعات الخارجية وحماية مصالحها الاقتصادية والحفاظ على علاقاتها مع جميع دول المنطقة على اساس السيادة والمصالح المتبادلة وعدم الانخراط في محاور الصراع وهذا هو التحدي الحقيقي الذي كشف عنه هجوم خط شرق غرب وليس مجرد تحديد الجهة التي اطلقت الطائرات المسيرة .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *