الأمان حالة شعورية خفية لا ترتبط بالزمان أو المكان (وإن كانت بعض صوره مرتبطة بهما بحسب التصور العام)، فطالما شعر إنسان بأمان عميق في جوف الليل وظلامه الدامس، فيما كان فزعاً وقلقاً في عز الظهيرة ووضح النهار. وهكذا الحال بالنسبة للمكان، فكثيراً ما كان الإنسان مفزوعاً من الخوف والقلق، وهو داخل أسوار عالية وأبواب محصنة، بينما شعر بالطمأنينة والوثوق وهو في صحراء قاحلة وأماكن عارية من الجدران والأبنية.
لا يعتمد الأمان على التقديرات الموضوعية والمنطقية، بل هو إحساس وشعور داخلي، له أسراره الخاصة وموجباته الخفية.
الأمان هو أعمق وأخص وأكثر الجوانب في الحياة حساسية، ومعه تتغير معاني وطعوم وروائح وخصائص الوجود، وبغيره تصبح شيئاً آخر. قد يستطيع الانسان العيش والتعايش بدون أمان لفترات وظروف معينة، لكنها حياة أتعس من التعاسة، والأكثر بؤساً. فقدان الأمان أضر من فقدان الطعام وأخص مستلزمات الحياة. يصنع الأمان نظرة، وتفقده كلمة أو حركة أو موقف.
اعلى درجات الأمان هي أن تعري (ذاتك) بكل مكنوناتها وضعفها وقوتها وأسرارها بين يدي (شريك) على إختلاف عناوينه، وأنت غير قلق أو متحسب من أن ذلك يمكن ان يعود عليك بمردود سلبي، أَو أن يوظف ضدك حاضراً أو مستقبلاً، بل تشعر أن من تفرج وشاهد إنكشاف ذاتك، يغطي نقائصك بروحه وقلبه ووجوده، ويضع كل ما لديه ليقوي نقاط ضعفك، وتبكي بواطنه وظواهره عليك قبلك.
الأمان ليس عهداً ولا قسماً ولا إتفاقاً، إنه سكون الروح وإنتظام دقات القلب، وإسترخاء تلبسه الأعماق.
أحياناً، يكون للعقل دوراً مهماً في فهم وتحليل مداخله وأسبابه، فقد يخلق لك الوهم قلقاً وخوفاً من صور ووقائع وقضايا، واقعها وحقيقتها خلاف ما تصورت وفكرت، فعند إعمال العقل والبحث في ثناياها تتكشف لك صورة وحقيقة مغايرة.
العلاقة بين الأمن والأمان علاقة سبب ونتيجة تقريباً، فغالباً ما تنتج أدوات الامن الحسية والمعنوية، شعوراً بالأمان.
للأمان علامته وإشاراته وآثاره، يتلقفها الحليم الفطن، والنقي الطيب، وتضيع على غيرهم. واجتماعياً، لا يُبنى الأمان الحقيقي بكثرة العلاقات، بل بوجود الثقة التي تجعل الإنسان مطمئناً إلى أن ضعفه لن يتحول إلى نقطة استغلال، وأن صدقه لن يُقابل بالغدر. وحين يفقد المجتمع أمانه الداخلي، يصبح الشك لغةً يومية، ويتحول الاختلاف من مساحة للتفاهم إلى مصدر للخوف والتوجس؛ لذلك فإن صناعة الأمان تبدأ من إعادة بناء الثقة بين الإنسان ومحيطه، لأنها الأساس الذي تستقيم عليه العلاقات وتتماسك به المجتمعات.
إن مكاناً أو زماناً او شخصاً أو حالة تشعرك بالأمان معها، هي أعظم كنوز الارض، فإذا ظفرت بأحدها، فلا تفرط فيه “تربت يداك”.
ختاماً، تبقى الصلة النقية الحقيقية، القائمة على إنجذاب داخلي “بالله جل وعلا” هي أوثق عرى الأمان وأعظمها..
أبحثوا عن الأمان، فإنه أعظم وأجمل معالم الوجود..


