السيادة الوطنية ليست مجرد شعار يُرفع في المناسبات

السيادة الوطنية ليست مجرد شعار يُرفع في المناسبات
تتحقق السيادة العراقية باستقلال القرار، وقوة المؤسسات، وتحصين الداخل من الارتهان للخارج، وترسيخ المواطنة والثقة الوطنية. ويتطلب بناء الدولة إدارة التنوع ضمن مشروع جامع، يستند إلى المصلحة الوطنية وقيم العدل والأمانة والكرامة الإنسانية، بعيداً عن التبعية والانقسام...

السيادة الوطنية ليست مجرد شعار يُرفع في المناسبات، ولا تقتصر على امتلاك الدولة حدودًا ومؤسسات وعلمًا ونشيدًا وطنيًا، وإنما جوهرها الحقيقي هو القرار؛ أي أن يكون القرار الذي يتعلق بمصالح الدولة وشعبها صادرًا عن سلطتها الوطنية ومؤسساتها الدستورية، لا أن يكون انعكاسًا لإرادة قوى أخرى تتجاوز الدولة أو تؤثر في قرارها من خارجها. ومن هنا فإن الحديث عن السيادة العراقية يقودنا بالضرورة إلى سؤال أكثر عمقًا: هل استطاعت الدولة العراقية بعد عام 2003 أن تبني قرارًا وطنيًا مستقلًا، أم أن القرار ظل عرضة لتأثيرات داخلية وخارجية متشابكة؟

إن الإجابة عن هذا السؤال تحتاج إلى قدر كبير من التجرد، بعيدًا عن التعميم أو تحميل طرف واحد مسؤولية كل ما جرى. فالعراق بعد عام 2003 دخل مرحلة سياسية جديدة في ظروف شديدة التعقيد، وكانت الولايات المتحدة صاحبة الدور الأبرز في إعادة تشكيل النظام السياسي والأمني. وقد تركت طبيعة هذا التغيير وآلياته آثارًا عميقة في بنية الدولة والمجتمع، إذ لم يكن العراق مجتمعًا مجردًا من تاريخه وتركيبته الاجتماعية والثقافية والدينية والسياسية، بل كان بلدًا يمتلك خصوصيته وتنوعه وتراكماته التاريخية.

ومن هنا يمكن القول إن جزءًا من المشكلة تمثل في أن بعض التصورات التي فُرضت أو دُعمت في مرحلة ما بعد 2003 لم تنطلق دائمًا من خصوصية الواقع العراقي بكل تعقيداته، بقدر ما انطلقت من رؤى ومصالح دولية وإقليمية. غير أن الإنصاف يقتضي ألا ننظر إلى التدخل الخارجي باعتباره العامل الوحيد؛ فالتدخل الخارجي لا يستطيع أن يتحول إلى نفوذ دائم ما لم يجد داخل الدولة والمجتمع قوى محلية تتقاطع مصالحها معه أو تستفيد من وجوده أو تستند إليه في مواجهة خصومها.

وهنا تظهر المشكلة الثانية: تعدد مراكز القوة والتأثير داخل العراق. فعندما تصبح بعض القوى السياسية أو الاجتماعية مرتبطة بمصالح أو حسابات خارج الحدود، يصبح القرار الوطني عرضة للتجاذب، وقد تتحول الدولة من صاحبة قرار إلى ساحة تتقاطع فيها قرارات ومصالح متعددة. وهذه الحالة لا يمكن نسبتها إلى مكوّن عراقي بأكمله، لأن داخل كل المكونات اتجاهات وطنية مختلفة، وإنما ينبغي النظر إليها بوصفها سلوكًا مارسته بعض القوى والشخصيات وفق مصالحها السياسية.

إن السيادة، في معناها الحقيقي، لا تعني قطع علاقة العراق بالعالم، ولا تعني رفض التعاون الدولي أو الإقليمي، فالدول جميعًا تتبادل المصالح والعلاقات والتحالفات. وإنما الفارق يكمن في أن تكون هذه العلاقات نابعة من قرار الدولة، وأن تخدم مصلحة البلد، لا أن تتحول الدولة إلى طرف تابع لقرار الآخرين.

ولا يمكن فصل الأزمة السياسية عن البعد الاجتماعي والثقافي والفكري. فالمجتمع العراقي يحمل موروثًا تاريخيًا ودينيًا وثقافيًا واسعًا، وفيه روايات واتجاهات واجتهادات متعددة. وقد أسهم اختلاف القراءات التاريخية والدينية، في بعض مراحل التاريخ، في إنتاج حساسيات وانقسامات، ثم جاءت السياسة الحديثة لتوظف بعض هذه الاختلافات في الصراع على النفوذ والسلطة. والمشكلة لا تكمن في مجرد وجود الاختلاف؛ فالاختلاف سنة إنسانية، وإنما تكمن في تحويل الاختلاف إلى وسيلة للقطيعة والاستعداء والاستقواء بالآخر.

وعندما يضعف المشترك الوطني، يصبح لكل جماعة أو قوة مرجعها السياسي والاجتماعي الذي تبحث من خلاله عن حماية مصالحها، وقد يصل الأمر أحيانًا إلى البحث عن سند خارج الحدود. وهنا تتقاطع المسألة الداخلية مع العامل الخارجي، فيصبح الانقسام الداخلي منفذًا للتدخل الخارجي، ويصبح التدخل الخارجي بدوره عاملًا في تعميق الانقسام الداخلي.

ولهذا فإن معالجة مشكلة السيادة العراقية لا يمكن أن تكون أمنية فقط، ولا سياسية فقط، وإنما تحتاج إلى إعادة بناء الثقة بين الشعب والدولة، وإعادة الاعتبار لمؤسسات الدولة، وترسيخ مفهوم المواطنة، بحيث يكون الانتماء إلى العراق ومصلحته العليا هو الإطار الذي تنتظم تحته جميع الاختلافات السياسية والدينية والاجتماعية.

ومن وجهة نظري، فإن البحث عن هذا المشترك لا ينبغي أن يقف عند حدود السياسة، بل يجب أن يمتد إلى منظومة القيم التي تحكم المجتمع. وهنا أجد في القرآن الكريم مساحة واسعة للقيم الجامعة التي يحتاجها المجتمع العراقي؛ فالقرآن يضع العدل والأمانة وحرمة الدماء والوفاء بالعهد وكرامة الإنسان ونبذ الظلم في موقع مركزي من منظومته الأخلاقية. والعودة إلى القرآن، في هذا السياق، لا تعني إلغاء التنوع المذهبي والفكري، وإنما تعني البحث عن القيم التي يستطيع الجميع أن يلتقوا عليها بدل أن تتحول الاختلافات إلى وقود للصراع.

إن العراق لا يحتاج إلى سيادة شكلية، بل إلى سيادة حقيقية تبدأ من استقلال القرار. ولا يمكن أن يتحقق ذلك ما دام القرار موزعًا بين تأثيرات خارجية وتقاطعات داخلية. وفي الوقت نفسه، لا ينبغي أن ننظر إلى الخارج وحده باعتباره المشكلة، ولا إلى الداخل وحده باعتباره المشكلة؛ فالمشهد أكثر تعقيدًا، والعلاقة بينهما تفاعلية. الخارج يتدخل حين يجد بيئة تسمح له بالتدخل، والداخل يضعف حين يفقد قدرته على إنتاج مشروع وطني جامع.

ولذلك فإن استعادة السيادة العراقية تبدأ من بناء دولة قوية بمؤسساتها، مستقلة بقرارها، منفتحة على العالم دون تبعية، تحترم تنوع شعبها دون أن تسمح بتحويل التنوع إلى انقسام، وتتعامل مع العلاقات الدولية من موقع الندية والمصلحة الوطنية.

فالسيادة في النهاية ليست أن نعلن أن العراق مستقل، وإنما أن يكون القرار العراقي مستقلًا بالفعل؛ وأن تكون مصلحة العراق هي المعيار الذي تُقاس به علاقاته وتحالفاته وسياساته. وعندما يصبح العراق قادرًا على إدارة اختلافاته الداخلية بالحوار والمؤسسات، وقادرًا على بناء مرجعية وطنية وقيمية جامعة، عندها فقط يمكن أن تتحول السيادة من مفهوم دستوري وسياسي إلى واقع يعيشه المواطن في حياته اليومية.

إن العراق لا تنقصه الثروات ولا الطاقات ولا التاريخ، وإنما يحتاج إلى أن تتقدم إرادة الدولة والمجتمع على إرادات الآخرين، وأن يتحول الاختلاف من مصدر للصراع إلى مصدر للتكامل، وأن يصبح القرآن بما يحمله من قيم العدل والرحمة والكرامة الإنسانية منطلقًا أخلاقيًا جامعًا، لا مادة جديدة للانقسام. وعندها يكون القرار عراقيًا، والسيادة عراقية، والمصلحة العليا هي مصلحة العراق وشعبه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *