السيادة الانتقائية في العراق

السيادة الانتقائية في العراق
السيادة العراقية منظومة متكاملة تقوم على استقلال القرار السياسي والأمني والاقتصادي، واحتكار الدولة للسلاح وقرار الحرب والسلم، ورفض التدخلات الخارجية بمعيار موحّد، مع بناء علاقات إقليمية ودولية متوازنة تضع المصلحة الوطنية فوق صراعات المحاور...

ملف السيادة الوطنية في العراق يرتبط ارتباطاً عضوياً بالملفات السياسية والأمنية والاقتصادية، ولا يمكن النظر إلى أيٍّ منها بمعزل عن الآخر ، لأن السيادة ليست موقفاً سياسياً مؤقتاً، ولا شعاراً يُرفع عندما تتوافق الظروف مع مصالح هذا الطرف أو ذاك، وإنما هي منظومة متكاملة تعكس قدرة الدولة على امتلاك قرارها الوطني المستقل ، وحماية أمنها وإدارة اقتصادها وصيانة مصالحها الوطنية.

منذ سقوط النظام البائد في 2003 وحتى اليوم، لم تتمكن الحكومات العراقية المتعاقبة من ترسيخ مفهوم القرار الوطني المستقل بالمعنى الكامل، الذي يعبر عن رؤية عراقية موحدة تجاه مختلف الأحداث والتحديات الداخلية والخارجية ، لذلك اصبح المشهد السياسي العراقي يشهد انقسامات واضحة وتبايناً في المواقف، حتى تجاه بعض القضايا التي تمس جوهر السيادة الوطنية.

من هنا تبرز الإشكالية والتساؤل الأكبر: هل أصبحت السيادة في العراق قضية مبدئية ثابتة، أم أنها تحولت إلى موقف انتقائي تحكمه طبيعة الحدث والجهة المعنية به؟

، فحين تتعرض الأراضي أو الأجواء أو المصالح العراقية لانتهاك، يصبح من حق الدولة أن تتخذ موقفاً واضحاً دفاعاً عن سيادتها ، لكن المعيار الوطني نفسه يجب أن يطبق على جميع الانتهاكات، أياً كان مصدرها، وأياً كانت الجهة التي تقف وراءها.

السيادة لا تعني فقط منع التدخل العسكري الخارجي، بل تشمل أيضاً استقلال القرار السياسي، واستقلال القرار الاقتصادي، والسيطرة على الموارد والثروات الوطنية، وحصر السلاح المنفلت بيد الدولة ، ومنع تحويل العراق إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية عبر الضغوطات الخارجية.

ملف حصر السلاح بيد الدولة وهو احدى الأوراق التي طرحت مؤخراً كورقة ضغط أميركية لتحييد قدرات ايران وانهاء فاعليتها وقدرتها على فتح جبهات اخرى تضع أميركا وحلفاؤها امام تحديات تضعف قدرتها على مواجهتها.

لذلك ينبغي أن لا يكون ملف السبادة شعاراً انتقائياً يُستخدم ضد جهة ويُستثنى منه طرف آخر، بل يجب أن يكون قاعدة دستورية ومبدأً وطنياً واحداً يسري على الجميع، لأن الدولة التي لا تحتكر قرار الحرب والسلم لا تستطيع أن تدعي امتلاك السيادة الكاملة.

في المقابل، فان استقلال القرار الوطني لا يعني قطع العلاقات مع دول الجوار او معاداتها والعمل ضد مصالحها أو الانعزال عن المجتمع الدولي ، لان العراق دولة ذات موقع جيوسياسي حساس، ومن الطبيعي أن تكون لها علاقات ومصالح متينة وصادقة مع محيطها العربي والإقليمي والدولي ، لذلك الفرق كبير بين العلاقات المتوازنة وبين تحول العراق إلى مساحة تتقاطع فيها إرادات الآخرين على حساب إرادته الوطنية.

الامر ذاته ينطبق على الاقتصاد ، فلا يمكن الحديث عن سيادة سياسية مكتملة بينما يبقى القرار الاقتصادي شديد الارتباط بعوامل وضغوط خارجية ، فالسيادة الاقتصادية تعني امتلاك الدولة القدرة على حماية مواردها، وتنويع اقتصادها، وتقليل نقاط الضعف التي يمكن أن تتحول إلى أدوات ضغط على قرارها السياسي قبل قبل أميركا او غيرها.

إن المشكلة الحقيقية ليست في اختلاف العراقيين في آرائهم؛ فالاختلاف السياسي ظاهرة طبيعية في أي مجتمع ديمقراطي ، لكن المشكلة عندما تتحول الانقسامات السياسية إلى مواقف متعارضة بشأن المصلحة الوطنية ذاتها، وتتحول إلى آسفياً في مسار السيادة بدلاً من أن تكون معياراً ثابتاً فوق الاصطفافات.

العراق لا يحتاج إلى سيادة انتقائية، ولا إلى سيادة تُرفع في وجه طرف وتُخفض أمام طرف آخر ، بل يحتاج إلى سيادة وطنية واحدة، ومعيار واحد، وقرار دولة واحد ، وسيادة تحمي العراق من التدخلات الخارجية، وتحفظ علاقاته المتوازنة والشفافة مع الجميع، وتمنع استخدام أراضيه ساحة للصراعات والاعتداءات على دول الجوار لاسيما على ايران ، وتضع مصلحة العراق فوق مصالح المحاور.

ان السيادة الحقيقية لا تُقاس بعدد البيانات السياسية التي تصدر باسمها او بالشعارات التي تطالب بتحقيقها ، إنما بقدرة الدولة على اتخاذ القرار الذي تراه مناسباً لمصلحتها الوطنية، والدفاع عنه بالوسائل السياسية والاقتصادية والقانونية والدبلوماسية التي تملكها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *