يجدُ رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني نفسه في واحدة من أكثر اللحظات السياسية حرجًا منذ انتخابه لرئاسة الحكومة العراقية، وذلك بعد وصوله إلى شرم الشيخ للمشاركة في القمة الدولية، التي يُتوقّع أن يحضرها رئيس وزراء الكيان الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
السيناريو وحده كافٍ ليضع السوداني أمام نارين؛ نار البقاء والمشاركة في القمة بما تمليه عليه البروتوكولات الدبلوماسية، ونار الانسحاب وما قد يُفسَّر داخليًا بأنه موقف اضطراري أو ضعف أمام ضغوط سياسية. فالعراق، وبقرار برلماني واضح، جرّم التطبيع مع الكيان الصهيوني، وعدّ أي لقاء رسمي أو غير رسمي مع مسؤوليه جريمة وطنية. فكيف سيتصرف السوداني إذا وجد نفسه في قاعة واحدة مع نتنياهو؟ وأين المفرّ من هذا المأزق الدبلوماسي والسياسي؟
معركة التأويلات السياسية
التيارات السياسية في الداخل تترقب المشهد بلهفة وشغف، فكل طرف يحسب حساباته الانتخابية مبكرًا. الخصوم السياسيون للسوداني سيجدون في أي خطوة فرصة للطعن به، فإن بقي في القمة بوجود نتنياهو سيُتهم بالتطبيع، وإن عاد مستنكرًا فسيُتهم بعدم النضج السياسي وعدم قدرته على تمثيل العراق في المحافل الدولية. إنها معركة التأويلات قبل أن تكون معركة مواقف.
أما التيار الصدري فقد سبق الجميع بتغريدةٍ صريحةٍ من زعيمه مقتدى الصدر تطالب السوداني بالعودة فورًا، معتبرةً حضوره القمة مع نتنياهو — حتى وإن لم يلتقِ به — تطبيعًا مقنّعًا. وهنا تتعقد المعادلة أكثر، إذ إن السوداني لا يريد أن يخسر التيار الصدري، ولا يريد أن يُظهر العراق كدولة منسحبة من مسؤولياتها الإقليمية والدولية.
في قمة شرم الشيخ، واجه رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني تحديًا سياسيًا دقيقًا يتطلب التوازن بين الموقف الوطني الرافض للتطبيع والالتزامات الدبلوماسية الدولية. إعلان عدم حضور نتنياهو، نتيجة ضغوط خارجية وداخلية بما فيها تهديد السوداني بالانسحاب، خفف من حدة الأزمة لكنه لم يلغِ مخاطر التأويلات السياسية. هذا الغياب عزز صورة العراق كلاعب مؤثر في الديناميكيات الإقليمية. لكن مصافحة السوداني للرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، الحاضر كضيف شرف، أثارت جدلاً واسعًا. الصور المنشورة لهذا اللقاء قد تُستخدم من خصومه لاتهامه بالتهاون مع قوى مرتبطة بالكيان الصهيوني. في المقابل، يرى البعض أن هذه الخطوة ضرورة دبلوماسية لتعزيز العلاقات الدولية في سياق نقاشات وقف إطلاق النار في غزة. هذا الموقف يبرز التحدي الكبير الذي يواجهه السوداني في الموازنة بين السيادة الوطنية والواقع السياسي العالمي المتغير.
وفي خضم هذا كله، الناخب العراقي يراقب بصمتٍ ويفكر ماذا سيكتب على فيسبوك، يتساءل في داخله: هل سيصمد السوداني أمام هذه العاصفة، أم سيسقط ضحية حسابات الداخل والخارج؟ خصوصا أن الهجمات التسقيطية بدأت مبكرا في القنوات الفضائية ووسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي!!
إنها حقًا حيرة كبيرة ومحطة مفصلية في مسيرة السيد محمد شياع السوداني السياسية، بين نار الوطنية ونار الواقعية السياسية.


