في عالم تهيمن عليه أدوات العولمة الثقافية لصالح الرساميل التي تحكم العالم، باتت الخصوصيات الثقافية وبالتقادم مهددة بالزوال، وتحديدا في المجتمعات الاستهلاكية، حيث توظف المؤثرات السمعية والبصرية في تدجين الوعي الجمعي، اعتماد على توظيف نقاط الضعف في منظومة الغرائز وتحفيز الاستهلاك واعتماد الشهوات لدى الأجيال الجديدة تحديدا، حد التلاعب بمشاعر الناس وقناعاتهم، ومناقلة الرأي العام باتجاهات تمس المصالح العامة، ومستقبل الأجيال القادمة.
الأمر الذي يجعل الحاجة ماسة لاستفزاز العقل بطريقة تستدعي التفكير النقدي، أملا في تحفيز الأسئلة والتأمل بشأن المعطيات ونتائجها التي عادة ما تؤول الى ظواهر مجتمعية تهدد منظومة القيم، هذه الظواهر، قد تنسحب الى منطقة اللاوعي الجمعي بوصفها ظواهر مألوفة لا تستدعي التحليل في خضم انشغالات العقل تحت تأثير ضجيج الاستهلاك والتسابق على اشباع الرغبات الواعية وغير الواعية.
والأخطر من ذلك، وفي ظل غياب التحليل الموضوعي للحقائق وتقدير الأدلة، هو انسياق متبنيات الطبقة الوسطى الى مساحة التزاحم على اشباع الرغبات بين الأفراد، وانزياح العقل النقدي عن وظيفة التساؤل في خضم هذه الانشغالات، ما يجعل وظيفة استفزاز العقل غاية في الصعوبة، في سياق نمطية اعادة انتاج الأجوبة الجاهزة التي تقدمها وتدعو اليها أدوات العولمة الثقافية، فأنت مثلا حين تدعو للبحث عن أدوات علمية واجتماعية تزيد من حصانة المجتمع في ظل تغول الغزو الثقافي بوصفه وسيلة لتدجين الشعوب واغراقها في وحل الاستهلاك والتبعية ، يأتيك الجواب “وكأنه معادلا موضوعيا” على ألسنة مختلفة تشترك في رفض المحتوى الفكري لمفهوم الغزو الثقافي، ليكون الجواب هجوما على الموروثات بوصفها موروثات متخلفة، وكأنك تدعو لتكريس الخرافة ولرفض استخدامات شبكة الانترنت في التداولات والتعاملات ومواكبة التطور والانفتاح على العالم والتواصل معه.
وهكذا يأتيك الجواب بشأن خطورة الاحتواء الاقتصادي من قبل رساميل العولمة التي تسعى للهيمنة على البلدان التابعة لها، محفوفا بنمطية القول (ان ثروات البلاد كانت حكرا للعائلة الحاكمة وزبانتها في زمن الاستبداد وأداة من أدوات الطغيان، وهي الآن نهبا للقوى النافذة) وهنا تتجلى الرغبة في اللاوعي نحو التسليم بالمفاهيم التي تسوّقها منظومات العولمة الثقافية في الأوساط المجتمعية، اذ عادة ما يعاد انتاج الأقاويل التي تؤسس لخصخصة وظائف الدولة، من قبيل (ان الديموقراطية لا يمكن أن تتحقق في المجتمعات الريعية متعددة الأعراق، لأن الريع سيكون سببا للتصارع ما بين الطوائف والأعراق) ، حيث تؤول رغبة جلد الذات المجتمعية الناجمة عن مراحل الاستبداد والفساد والفوضى، الى رغبة واعية وهي تدعو لخصخصة الثروة النفطية دون وعي، حيث تلقى التهمة على الثروة النفطية بوصفها سبب للتداعيات التي شهدتها البلاد خلال الخمسين سنة الماضية، وهو أمر لا يختلف في اطار القاء التهم على المنظومة القيمية الموروثة بوصفها منظومة للخرافة في سياق التلذذ بالاضطهاد والثأر من الذات الجمعية، الأمر الذي يدعوا الى التساؤل عن امكانية تحريك العقل خارج مساحة تأثير الاستهلاك واعادة انتاج الثقافات المستوردة، التي فرضتها أدوات الهيمنة على التفكير النقدي.
وهنا تكمن وظيفة العقل الثقافي لصياغة منهج فكري قادر على تحفير التفكير النقدي، وهذا العقل مطالب في هذا الوقت تحديدا، بمراجعة سريعة لما قدمه خلال سنوات ما بعد الاحتلال، فهل استطاع هذا العقل، بوصفه وصيا على التفكير النقدي، ان يخوض في عملية تفكير منظمة ومتأملة لاجراء تحليل موضوعي للحقائق التي شهدتها البلاد، ومن ثم هل استطاع تقديم الأدلة المستنيرة للمشاركة في حل المشكلات التي تهدد المستقبل؟، ودون الاجابة على هذا السؤال، فان العقل الثقافي متهم بالعجز ازاء واجبه في تحفيز التفكير النقدي للحد من تغوّل المؤثرات التي تكرس القبول بالأنماط والسلوكيات والاجراءات الطارئة على حساب مستقبل البلاد والعباد.


