عن نظرية الدولة العادلة عند الميرزا النائيني

عن نظرية الدولة العادلة عند الميرزا النائيني
تقوم نظرية الدولة العادلة عند الميرزا النائيني على تقييد السلطة بالدستور، ومشاركة الأمة عبر الشورى، ورفض الاستبدادين الديني والسياسي. الفقيه مرشد لا حاكم، والدولة دستورية مدنية تستلهم القيم الإسلامية لضمان العدالة والمساءلة والمشاركة الشعبية...

من أهم نظريات الدولة لدى الفقهاء المسلمين، نظرية الدولة العادلة عند الميرزا النائيني، التي تتقاطع مع مفهوم الدولة المتدينة كما نسبتها للمرجع السيستاني وتناولتها في أطروحتي “الدولة والأحزاب السياسية في العراق“. إليكم ملخص الدولة العادلة:

الميرزا محمد حسين النائيني (1860–1936) يُعَدّ من أبرز فقهاء الحركة الدستورية في إيران، وكتابه “تنبيه الأمة وتنـزيه الملّة” يُعد مرجعاً أساسياً لفهم رؤيته حول الدولة العادلة.

1. مفهوم الدولة العادلة

الدولة العادلة عند النائيني هي الدولة التي تُقيّد سلطة الحاكم بالدستور والقانون، بحيث لا تبقى السلطة مطلقة بيد شخص واحد. يتحقق العدل عندما تُدار شؤون الأمة وفق الشورى، والمحاسبة، ومشاركة الأمة في القرار السياسي.

2. شرعية الحكم

يرى النائيني أن السلطة في زمن غيبة الإمام المعصوم لا يمكن أن تكون مطلقة لشخص أو لأسرة، بل يجب أن تُدار من خلال نظام يقيد الحاكم. الشرعية تقوم على حماية الحقوق، منع الفساد، وصيانة مصالح الأمة، وليس على الاستبداد.

3. رفض الاستبداد

قسّم الاستبداد إلى نوعين: استبداد ديني، وهو الأخطر حين يُبرر الطغيان باسم الدين، واستبداد سياسي، وهو تحكّم السلطة الزمنية دون رقيب أو قانون. واعتبر أن مقاومة الاستبداد واجب شرعي وسياسي.

4. دور الأمة

الأمة شريك أساسي في إقامة الدولة العادلة، عبر البرلمان أو المجلس النيابي يمكن للشعب مراقبة الحاكم والتشريع بما يحقق مصالحه. الأمة مسؤولة عن صيانة العدل ومحاسبة الحكّام لضمان أن تبقى الدولة ضمن إطار القانون والمحاسبة.

5. مرجعية الفقهاء

لم يدعُ النائيني إلى حكم الفقهاء المباشر، بل رأى أن دور الفقيه هو الإرشاد والرقابة الأخلاقية والشرعية، لا إدارة السلطة التنفيذية بنفسه. شدّد على ضرورة الاستعانة بالقانون والدستور الحديث لضبط السلطة، إلى جانب القيم الدينية.

يجب على الحاكم في الدولة العادلة أن يسعى لتطبيق القانون بعدل ونزاهة، وأن يُشرك جميع مكونات الأمة في صنع القرار، بحيث لا يُهمش أحد ولا يُستبعد طرف من المجتمع. كما يجب أن يكون على وعي كامل بواجباته ومسؤولياته أمام الشعب وأمام القيم الدينية والقانونية.

بالإضافة إلى ذلك، ينبغي أن تكون الرقابة والمحاسبة مستمرة وفعالة، بحيث يمكن لأي مواطن أو جهة رسمية متابعة أداء الحكومة والتدخل عند الضرورة. إن إقامة مؤسسات قوية ومستقلة للرقابة تعد حجر الأساس لاستدامة الدولة العادلة وحماية حقوق الجميع.

الخلاصة

رؤية النائيني حول الدولة العادلة تقوم على حصر السلطة بالدستور والقانون، رفض الاستبداد السياسي والديني، مشاركة الأمة عبر الشورى والبرلمان، وإشراف الفقهاء إرشادياً لا استبدادياً. الدولة العادلة ليست ثيوقراطية مطلقة، ولا سلطة استبدادية فردية، بل دولة دستورية قائمة على العدالة والمشاركة. لا يشترط أن يكون الحاكم فقيهاً أو مرجعاً دينياً، لكنه يجب أن يكون ملتزماً بالقانون والدستور المستند إلى القيم الإسلامية، بما يضمن حكمًا عادلاً ومسؤولية وطنية حقيقية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *