سؤال قد يبدو بسيط ، لكنه في الحقيقة يكشف أعمق أزمة نعاني منها منذ عقود …
في معظم دول العالم، ، عندما يتقدم السياسي بالعمر أو يشعر بأنه لم يعد يمتلك ما يقدمه ، ينسحب بهدوء ليكتب مذكراته أو يقضي ما تبقى من حياته بين عائلته وذكرياته ، تاركا المجال لوجوه جديدة تحمل أفكار أكثر شبابا وحيوية أما عندنا ، فالمشهد معكوس تماما ، فالسياسي يتمسك بالكرسي حتى آخر نفس وإذا لم يجد وسيلة لخلوده الشخصي ، يفكر في “استنساخ نفسه” عبر أولاده وأحفاده وكأن ليس مثله في العباد وكأن العراق مزرعة خاصة باسمه …
المعضلة ليست في الأشخاص وحدهم ، بل في العقلية التي صنعتهم فالسياسة عندنا ليست “خدمة عامة” ، بل غنيمة لا يمكن الافراط بها …
المنصب عندنا ليس تكليف ، بل ملكية خاصة يجب أن تُحافظ عليها العائلة كما تحافظ على بيت أو أرض …
الكرسي ليس فرصة لبناء الدولة ، بل وسيلة للبهرجة والوجاهة هي مواكب و حمايات و مهاويل وقصائد مديح وحتى دموع تماسيح في الفضائيات …
في الغرب السياسي يحسب حساب التاريخ ، فيترك وراءه تجربة تدرّس …
أما عندنا السياسي يحسب حساب “الفرهدة” والصفقات والعقود ولا يكتب مذكراته إلا بالسرقات التي جمعها وبالأنساب السياسية التي ورثها …
الأدهى من كل هذا أن المجتمع نفسه بوعي أو بدونه يساعد في تكريس هذه العقلية البائسية ..
فالمواطن الذي يهتف للسياسي كـ”زعيم أبدي” ويستميت في مدحه وكأنه منقذ البشرية ، هو نفسه الذي يفتح الباب أمام استمراره بطغيانه ونرجسيته وديكتاتوريته …
السياسي العراقي لا يتقاعد لأنه يرى نفسه “قدر من السماء ” لا يستغنى عنه ، بينما الحقيقة أن البلد يتسع لآلاف العقول والطاقات التي ما زالت مهمشة ومقصية ..
إن عدم تقاعد السياسي في العراق له أسباب سياسية جوهرية، أبرزها غياب ثقافة تداول السلطة، حيث تتحول المواقع القيادية إلى حالة من الاحتكار الدائم. تتغذى هذه الظاهرة من بنية النظام الحزبي الذي يربط بقاء القيادات بمشروع الحزب نفسه، فيختزل المؤسسة كلها في شخص الزعيم. كما أن الانقسامات الطائفية والقومية تجعل من وجوده السياسي وسيلة لإثبات التمثيل، فيتحول بقاؤه إلى رمز “حماية الهوية”.
الخوف من فقدان النفوذ السياسي وما يترتب عليه من تراجع في المكانة والدور داخل الساحة الوطنية يدفع السياسي إلى التشبث بالموقع. الخطاب الشعبوي أيضاً يعزز هذه النزعة، إذ يصور القائد باعتباره “الأب” الذي لا بديل له، مما يخلق شرعية مستمرة لوجوده. إضافة إلى ذلك، فإن غياب مؤسسات دستورية قوية تحدد آليات الانتقال والانسحاب يجعل التقاعد خياراً غير مطروح في الممارسة السياسية.
وبذلك، يصبح البقاء في السلطة ضرورة دفاعية داخل نظام سياسي مأزوم، أكثر مما هو خيار فردي نابع من رغبة شخصية. إنها أزمة سياسية متجذرة تكشف فشل النظام في بناء تقاليد ديمقراطية تسمح بالانسحاب الطوعي وتداول الأدوار بين الأجيال.
هكذا صارت السياسة عندنا ، عالم مهووس بالبهرجة ، بالكرسي وبالمهاويل …
أما فكرة التقاعد والانسحاب بكرامة؟ فهي رفاهية لا وجود لها في قاموسنا السياسي …
