لم تكن بغداد يوما مجرد مدينة، بل كانت ذاكرة حيّة، تختزن في شوارعها وكورنيشاتها ومراكزها الشبابية وجامعاتها صورة مجتمع متنوع نابض بالحياة ..
كان مزاج السلطات المتعاقبة مؤثرا كبيرا على تغيير ملامحها …
أنّ ما جرى خلال العقود الأخيرة حوّلها إلى فضاء مثقل بالعشوائية، تغيب عنه الرؤية ويغلب عليه الاستثمار السريع على حساب الإنسان …
كان مطار المثنى المدني معلماً للتنقل والانفتاح، فتحوّل إلى جامع في زمن صدام ، ثم ابتلعه الإسمنت بمجمعات سكنية شاهقة بلا مساحات خضراء ولا خدمات توازي هذا الزحف العمراني ..
كورنيش دجلة بين الأمس واليوم
كانت كورنيشات دجلة قبلة للعائلات والبغداديين ، تحرسها أشجار معمرة ومساطب وأصوات أم كلثوم وعبد الحليم، ثم أهملت بشكل كبير ، اما اليوم فصارت مطاعم باهظة أو ساحات استخدمت كراج لوقوف السيارات او كورنيشات بالمقرنص بعد قطع أشجارها المعمرة …
أما مراكز الشباب التي احتضنت الملاعب والساحات الرياضية، فقد صارت مقرات حزبية ، واليوم تحوّلت إلى مولات ومراكز تجارية ..
ضياع الهوية العمرانية
الكليات والمدارس الاهلية بالقرب من تقاطعات بغداد المزدحمة ، تم انشائها بدون أدنى حد من المواصفات ، فالمهم الربح السريع ودورات تخرج سريعة فلا رسوب ولا تأجيل الكل ينجح بإمتياز وبفلوسي ..
حتى النقل العام الذي كان يضفي على المدينة لمسة حضارية بباصاته الحمراء ذات الطابقين ، صار كوسترات مرهقة و”كيات” رديئة، ثم انتهى الأمر بتطبيقات فردية بلا نظام ولا تخطيط …
والسينمات المنتشرة على طول شارع السعدون والرشيد تحولت الى مخازن للملابس ، والسينما صارت جزء من مول فقدت متعة المشاهدة اما المسارح بلا تبريد وأناقة …
تحاول الحكومات وضع بصماتها على شكل “تلزيك” هنا و”تركيع” هناك بمعاونة مصارف أهلية ، لكنها تعلم أن العطار لايصلح ماأفسده الدهر …
شوارع وأزقة تبلط كل سنة ومحلات مهملة وبدون متابعة ولا رقابة …
إن السؤال الذي يفرض نفسه من سيعيد لبغداد ألقها؟ إن استعادة بغداد لمكانتها لا تتحقق بترقيعات مؤقتة، بل برؤية حضرية تعيد الاعتبار للإنسان قبل الحجر. فهوية العاصمة لا تُختزل في مجسرات إسمنتية، بل في فضاءات عامة نابضة بالحياة.
إن استرداد الألق يحتاج إلى جرأة سياسية توقف التشويه وتفتح الطريق لنهضة عمرانية متوازنة. الجواب لا يكمن في الحنين وحده ، بل في إرادة سياسية جادة تعترف بالمدينة كإرث عالمي وفي تخطيط عمراني يوازن بين البناء والبيئة وبين الاستثمار والحق في الفضاء العام …
كذلك لا بد من حراك مجتمعي يطالب بحماية هوية العاصمة ويعيد لها دورها الطبيعي كعاصمة للثقافة والحياة بإيقاف الاستثمار المشوه والتخطيط الناجع والسعي لتفعيل النقل العام بأسرع وقت لأن عشرات المجسرات المنفذة لم تغير من الفوضى شيئا …
بغداد تستحق أكثر من واقعها الحالي ، إنها ليست مدينة عادية ، بل ذاكرة وطن وروح شعب وإعادة ألقها تبدأ من الاعتراف بالخطأ ، ثم قرار ايقاف التشويه للعمل بمهنية وعلمية وتخطيط
