حملة زينوفون على بابل

حملة زينوفون على بابل
شهد عهد أرتحششتا الثاني انتفاضة خطيرة قادها أخوه كورش الأصغر بجيش من المرتزقة الإغريق، انتهت بهزيمته ومقتله في معركة كوناكسا سنة 401 ق.م، وقد خلد زينوفون تفاصيلها في كتابه التاريخي "الحملة"....

تتخلَّل الانتفاضات حكم أواخر الملوك الأخمينيِّين. لكنَّ أخطر انتفاضة واجهها أرتحششتا الثاني جاءته من أخيه كورش الأصغر (Cyrus the Younger)، الذي جمع له جيشاً جرّاراً يضمُّ أكثر من عشرة آلاف مقاتل من المرتزقة الإسبارطيِّين. كان أرتحششتا الثاني قد عيَّن أخاه كورش الأصغر والياً عامّاً وقائداً أعلى في آسيا الصُّغرى زهاء عام 408/ 407 ق م. وينقل بلوتارك أنَّ كورش الأصغر كان قد حاول اغتيال أخيه عند تتويجه، لكنَّ محاولته أخفقتْ، لأنَّ أحد القادة اكتشفها وأخبر الملك. (Maria Brosius; A History of Ancient Persia, p. 167.) وقد عفا أرتحششتا الثاني عن أخيه، وأمر بعودته إلى آسيا الصُّغرى.

غير أنَّ كورش الأصغر بقيتْ تخالطُهُ المطامح بضرورة تكرار محاول اغتيال أخيه والجلوس بدله على العرش. ومن أجل ذلك عمل على جمع جيش جرّار من المرتزقة الإغريق، أغلبهم من الإسبارطيِّين، واتَّجه إلى بابل. وحصلت المعركة الحاسمة بين جيشي الأخوين في 3 أيلول/ سبتمبر من عام 401 ق م (Olmstead, p. 374.)، في موقع تسمِّيه المصادر “كوناكسا” (Cunaxa)، ومن المحتمل أنَّ الكلمة مصحَّفة عن كلمة مثل (الكُناس) أو (الكنيس) أو ما أشبه من المواقع الواقعة إلى الشَّمال من بابل.

دور زينوفون بين التأريخ والقيادة

تأتينا أخبار هذه الحملة التي اندفع فيها عشرة آلاف مقاتلٍ إغريقيٍّ من جميع بلاد اليونان في كتاب “الحملة” (Anabasis)، الذي ألَّفه المؤرِّخ اليونانيُّ وقائد هذه الحملة في طريق عودتها الخائبة زينوفون (Xenophon). وزينوفون هو مؤرِّخ وفيلسوف يونانيٌّ، يعدُّ نفسه من تلاميذ سقراط، وهو قد ذكر في كتابه أنَّه استشار سقراط في مرافقة كورش الأصغر، فأشار عليه بأن يستخير الآلهة. لكنَّ صيغته في استخارة الآلهة لم تكن سليمة، مع ذلك أوجب هو على نفسه الالتزام بها. والظاهر أنَّه كان في مقتبل العمر، حين شارك في هذه الحملة، لأنَّها حين أخفقتْ ولم يعدْ لها من قائد يتولَّى تنظيم إعادة الجموع إلى بلادهم، اقترح هو عليهم أن يتولَّى القيادة، وإن لم يكنْ سنُّهُ يسمح بذلك: “إن أسندتم إليَّ منصب القيادة، فلستُ أنتحل الأعذار لتبرير صغرِ سنِّي، بل أحسب أنِّي بلغتُ من العمر درجةً أستطيع بها أن أدرأَ الخناجر للمدافعة عن رأسي”. (Xenophon: Anabasis, Loeb Classical Library, Harvard University Press, 1998, p. 225.).

وبرغم أنَّ بعض الباحثين يصنِّف كتاب “الحملة” على أنَّه شبيه بالسِّيرة الذاتيَّة، وإن لم يكن سيرة ذاتيَّة، فإنَّه عمل تاريخيٌّ مكتوب بضمير الغائب، لا المتكلِّم. والسَّبب في ذلك على ما يبدو هو أنَّ زينوفون لم يُردْ أن يكتب تاريخه الشَّخصيَّ، بل تاريخ الحملة نفسها، منذ أن كانت بقيادة كورش الأصغر نفسه، واختفاء القادة الإغريق بعد مصرعه. ولا يظهر زينوفون نفسه على امتداد الثُّلث الأوَّل من الكتاب. بل يظهر حين لم يعدْ للإغريق قائد، ويقترح نفسه عليهم قائداً، فيختارونه. وحينئذٍ يتواصل السَّرد التاريخيُّ بصيغة ضمير الغائب، لا المتكلِّم.

ولمّا كان كورش الأصغر هو الحاكم الفعليّ لآسيا الصُّغرى، فقد تجمَّع الجيش فيها بهدف التَّوجُّه إلى بابل، ممّا يعني أنَّ أرتحششتا الثاني كان يتَّخذ من بابل عاصمةً لحكمه. ويبدو أنَّ الحملة تابعت مجرى نهر الفرات حتى وصلت إلى منطقة قريبة من بابل اسمها، كما قلنا، “كوناكسا”، ربَّما كانت بالقرب من المحموديَّة، وإن كان بعض الباحثين يرجِّح أنَّها حصلت في الفلُّوجة. وكان الجيش الذي يحيط بكورش الأصغر شخصيّاً زهاء ألف فارسٍ من الجيش الفارسيِّ، وعدد من المصريِّين، بالإضافة إلى عشرة آلاف مرتزق إغريقيِّ. ولعلَّ كورش كان يلمُّ بقليل من اليونانيَّة، لأنَّه كان يهتف بالجنود بالفارسيَّة واليونانيَّة، ويصحبه في الوقت نفسه ترجمان إغريقيٌّ اسمه “فجرس” (Pigres).

تكتيكات كورش الأصغر والمعركة الحاسمة

انفرد كورش مع ستِّمائة من فرسان قومه. وفي أثناء تقدُّمه اصطدم بجيشٍ يقودُهُ أخوه الملك. ولعلَّ جيش أرتحششتا تظاهر بالهزيمة، فاندفع وراءه كورش يريد الخلاص منهم نهائيّاً. غير أنَّ المحيطين به تفرَّقوا عنه، ولم يبقَ معه سوى نفرٍ قليلٍ من أصحابه المقرَّبين. وحين أحسَّ جيش أرتحششتا بضآلة عددهم، انقلبوا عليهم، وأعملوا فيهم سيوفَهم. وقُتلَ كورش الأصغر نفسه. وقد قيل إنَّ بعض مرافقيه رمى نفسه عليه بعد موته، وقيل إنَّ بعضهم انتحر فوق جثَّتِهِ. وهكذا اختفى الجيش الفارسيُّ بأسره، ولم يبقَ مع الإغريق أحدٌ يستطيع أن يدلَّهم على طريقٍ للخلاص من هذا المأزق الذي وضعوا أنفسهم فيه.

شعر الإغريق بأنَّهم الآن في قبضة ملكٍ أرادوا أن يساعدوا أخاه على القضاء عليه، فانحازت الآلهة له، وقضى هو على أخيه، واحتزَّ رأسه بلا تردُّد. فهل سيرحمهم هم، المرتزقة الغرباء، الذين جاءوا للقضاء عليه؟ مهما يكن الحال، فقد تفاهموا مع الجيش الفارسيِّ على أن ينسحبوا إلى بلادهم، وأن لا يُسيئوا إلى أحد، أو يغتصبوا طعاماً من أهل القرى والمدن التي يمرُّون بها لهم أو لحيواناتهم، دون سداد ثمنِهِ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *