لا تناقش هذه المقالة المسيرة والتشعبات والانشقاقات والبواكير الفكرية للحركة السلفية، ولا حتى تتطرق للتفاصيل والتحولات الدعوية التي أنتجت ما يسمى “#السلفية_المدخلية” ولكننا سنمر من خلال سرد تاريخي مختصر جداً على صيرورة عائلة سعودية من جازان؛ جماعة منظمة تلقي بظلالها الفكرية والتنظيمية والاجتماعية على العراق الجديد.
ليس مهماً من هو “#ربيع_المدخلي” الذي ينتمي لقبيلة “المداخلة” الجازانية، ولكن المهم جداً لماذا أصبحت هناك سلفية جديدة تسمى باسمه! وأي التحولات الاستثنائية تلك التي جعلت تلميذاً للشيخ #ابن_باز والمحقق محمد بن ناصر #الالباني مؤسساً لفرع جديد من فروع السلفية التي هي دعوة مغلقة منذ سنين على رموز لا يٌرد عليهم كالإمام #أحمد_بن_حنبل وشيخ الإسلام #ابن_تيمية والشيخ #محمد_بن_عبد_الوهاب؟! ما هي الفكرة الجديدة التي أبدعها الشيخ الدكتور ربيع المدخلي لتتوسع سلفيته وتمتد إلى العراق وتزاحم باقي السلفيات المتقدمة في تنظيمها واستقطابها وشهرتها وتأثيرها كالسلفية #الجهادية التي إجتاحت العراق بعد العام 2003 !
ويبدو أن المستجد في فكر السلفية المدخلية على نحو العموم، هو الاستنباط الشرعي لموقف سياسي يفارق في تطبيقاته باقي السلفيات المعروفة، ويتلخص هذا الموقف في ما اسميته (السكــــون الإجبــــاري) ونعني به أن يسكن الناس سياسياً ولا يخرجون على “ولاة الأمر” مطلقاً، ويضيف بعضهم تلطيفاً لهذا الإجبار قيداً فضفاضاً، كقولهم (لا يجب الخروج على الحاكم ولا نصيحته علناً إلا إذا تضرر الدين) وهذا القيد أو شرط القيام ضد السلطان موجود عند كل الطوائف والفرق الإسلامية تقريباً، بتفسيرات وتأويلات مختلفة تشوبها دائماً المصلحيات والتأثيرات والضواغط السياسية الداخلية والخارجية، وخصوصاً في مجالي #التمويل_المالي، و #بسط_اليد.
إن الموقف المدخلي الذي يقول بعدم الخروج على الحاكم وعدم القيام باحتجاجات شعبية، لانهما قد يتسببان بالفوضى، تجلى في العراق ليشابه من جهة الموقف الشيعي العام القائل: (الفســـاد أفضـــل مـــن الفوضـــى) وهو موقف سلطوي بحت، ومن جهة أخرى يشابه الموقف الصوفي القائل (بالترفـــع عـــن السياســـة)، وهو موقف غنوصي تكراري عند أغلب الصوفية، لكن جميع أتباع هذه المواقف يهدرون سياق ما يقولون عند تعلق الأمر بالمصالح الأساسية لفرقهم وطوائفهم.
ما يهمنا أيضاً في هذه المقالة التعريف بأهم نشاطات الحركة أو الجماعة المدخلية في العراق، وصولاً إلى المواقف الدينية والسياسية والحكومية الرسمية حولها في الفترة الأخيرة، وسوف يبدو أن الأحداث الأخيرة لا علاقة لها بالتأصيلات الفكرية للسلفية، ولا بالتكوينات الفكرية الاجتهادية، بل سيبدو التزاحم الفرقي والتياري المدفوع بأجندات سياسية استقطابية سبباً رئيساً في التوتر والاحتقان الذي ساد البيئة السنية مؤخراً، ودعا الأجهزة الحكومية الرسمية المعنية باتخاذ قرارات لتطويق #أزمة_سياسية واجتماعية مرتقبة، ومن الممكن أن يكون في تصاعدها انزلاقاً خطيراً للوضع العام في البلاد، ويبالغ البعض ليربط ما قد يحصل بسبب نشاط المدخلية بما حصل في العام 2014.
وحتى يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود في علاقة الجماعة المدخلية بالوضع العراقي ما بعد العام 2003 يجب أن نعرف التالي:
1- السلفية المدخلية هي سلفية #جامية لكنها غير حركية، لا تسعى إلى تكوين منتظم سياسي.
2- وهي غير جهادية، لا تسعى إلى تطوير الفتاوى الجهادية لتلائم هذا العصر كما فعلت القاعدة وداعش.
3- المدخلية رفضت مواجهة الاحتلال الأمريكي منذ لحظة 9 نيسان 2003، وهذا الموقف في حينه يتطابق مع رأي أغلبية #القوى_الشيعية ويتقاطع مع أغلبية #القوى_السنية.
4- المدخلية رفضت التظاهرات والانقلابات على الحكومات الشيعية بعد 2003.
5- المدخلية رفضت الاعتداء على قوات الجيش والشرطة ودعت إلى عدم معارضة الانضمام في القوات الأمنية.
6- المدخلية رفضت استهداف العملية الانتخابية.
7- قادة ورجال المدخلية كانوا مطلوبين لتنظيم القاعدة وخلافة داعش.
8- مواقفهم في العراق، ومنها مواقف أبو المنار العلمي كانت محل استهجان عند المدخلية السعودية، وربيع المدخلي رفض أفكار العلمي في بعض لقاءاته، ورجال المدخلية العراقية في الغالب مغضوب عليهم من أوساط دينية وسياسية رسمية وغير رسمية في المملكة العربية السعودية.
9- الحاكم الذي لا يجوز الخروج عليه، هو أي حاكم في بلد عربي أو إسلامي ولا علاقة لذلك بالطائفية، ففي العراق الحاكم شيعي وهم أيضاً لا يجوزون الخروج عليه لأنه ولي أمر، وفي هذا الموقف ينسجمون حرفياً مع معارض لوجودهم وتوجهاتهم في العراق وهو الشيخ خالد الملا رئيس #جماعة_علماء_العراق، الذي هو الأخر يقول بطاعة ولي الأمر أياً كان سنياً أو شيعياً، لكن هناك استدراك مهم على هذا التوجه للمدخلية في جمهورية مصر العربية فهم أيدوا عبد الفتاح السيسي وعارضوا محمد مرسي.
10- مفهوم “القدرة” الذي ينقله البعض عنهم للخروج على الحاكم ليس دقيقاً، فهو لا يتعلق بوجوب الخروج، بل بجواز المشاركة مع المتغلب مع ملاحظة فساد بَيّن في السلطة الحاكمة.
فإذا كانت هذه توجهات الجماعة المدخلية في العراق، وهي توجهات جميعها تقريباً في صالح النظام الجديد، بل في صالح الوضع العام؛ إذن لماذا كل هذا اللغط حولها، ولماذا صدر قرار من #مستشارية_الأمن_القومي باعتبارها تمثل خطراً عالي المستوى على المجتمع العراقي؟!
إن كتاب مستشارية الأمن القومي الصادر في 27 نيسان 2025 استند على اجتماع عالي المستوى انعقد في يوم 1 آذار 2025 وتمت موافقة رئيس مجلس الوزراء القائد العام للقوات المسلحة على بنود الاجتماع الذي وجه لإتخاذ إجراءات قانونية بحق “#الحركة_المدخلية” بعد أن أرسلت جميع مؤسسات الدولة مؤشرات سلبية على الحركة المذكورة. بعد هذا التوجيه الرسمي انقسمت القوى السنية الدينية والسياسية إلى فريقين، أحدهما يدعم اعتبار المدخلية خطرا على الأمن القومي العراقي، والأخر يرى خلاف ذلك، ولكل طرف مبرراته لما يعتقده ويقوله عن الجماعة المدخلية، لكن أبرز المؤشرات التي طفت على سطح الخلافات، ووجِهت كاتهامات مباشرة للمدخلية كالأتي :
1- الجماعة توسعت كثيراً وبشكل ملفت جداً خلال السنوات القليلة الماضية.
2- الجماعة فرضت عقائدها على الناس في بعض الجوامع، وأقامت شعائرها خلافا لعامة #أهل_السنة_والجماعة كما في صلاة العيد.
3- الجماعة مرتبطة بأجهزة مخابرات دولية.
4- الجماعة تتلقى أموالا من الخارج.
5- الجماعة تهدد السلم المجتمعي عن طريق تهديد الجماعات الأخرى.
وهذا يوحي أن الجماعة غيرت أفكارها لتتحول إلى تنظيم يتدخل في الحياة السياسية والاجتماعية على غير ما هو معروف عنها، على حد قول من يتهمها بهذا الاتهام الخطير، إضافة إلى أن هناك من يتهم الجماعة المدخلية بالتخادم مع قوى وشخصيات سياسية من أجل مكاسب مالية ومناصبية، ويثير أخرون فكرة مستساغة في الواقع العراقي وهو أن الجماعة تُستغل من قبل طرف سياسي سني يريد أن يستقوي على أطراف سياسية أخرى لتحقيق مكاسب سياسية أقربها الى الوضع الراهن هو احراز تقدم انتخابي في الانتخابات البرلمانية العامة المقبلة في 11 نوفمبر القادم. لكن موقف مستشارية الأمن القومي أبعد من أن يصنف الجماعة كحركة خطيرة لمجرد تخادم او استغلال سياسي، فهل غيرت المدخلية توجهاتها لتصبح ضد الدولة والمجتمع؟! ام تدخلت رغبات سياسية في هذا الملف المحسوب على #الأمن_الفكري في أجهزة الدولة؟! الجواب: ذلك بالفعل ما حصل، فالمقربون من الحركة المدخلية كالنائب السابق زياد الذرب عبر بشكل واضح عن وشاية تعرضت لها الجماعة، وما يؤكد أن الأمر لا يعدو كونه صراعا سياسيا حُشرت فيه المدخلية، هو تراجع مستشارية الأمن القومي في كتابها الصادر في 12 حزيران 2025 عن تسميتها أو وصفها للحركة المدخلية في الكتاب السابق، وطالبت بالمزيد من المراجعة لسلوكيات هذه الجماعة والجماعات الأخرى، وهنا يجب التنبيه إلى أن إجراءات مستشارية الأمن القومي والمؤسسات الأخرى في هذه المسألة طبيعية جداً، بل مفيدة بدرجة كبيرة في هذه الملفات الحساسة.
إن تطويق أي جهود متطرفة من قبل مؤسسات الدولة ينبع من مسؤولية تضامنية وإعلاء مطلوب بشدة للقانون، ليصبح القانون القوة الحامية للمجتمع، وهذا المسار لن يتحقق إلا عبر العدالة وشفافية المعلومات وكبح جماح التضليل واستغلال المنصب، خصوصاً إذا كان استغلال المنصب لصالح أفكار دينية هدامة ذاق العراق منها الآمرين، وعلى هذا الأساس ينبغي على أجهزة الاستخبارات والأمن الوطني متابعة كل الشخصيات ذات الخلفيات الدينية التي تتسلم مناصب حساسة في الدولة.


