بين الإرث والانشقاق واختلاف الشرعية
لم يعد التيار الصدري مجرّد حالة دينية-شعبية متماسكة كما بدا في سنواته الأولى.
فمنذ انبثاقه من عباءة المرجعية الصدرية وتمدّده كأحد أبرز الفواعل السياسية الشيعية بعد عام 2003، كان التيار عرضة لتوترات داخلية وتحولات خارجية أفرزت مشتقات عسكرية وسياسية عدّة.
ومن بين تلك المشتقات برزت “عصائب أهل الحق” كنموذج واضح لانشقاق تحوّل إلى مشروع مستقل، متشابك مع الإقليم والسياسة، ومتنافس مع الأصل الذي خرج منه.
وهنا يطرح السؤال الاهم:
هل أعادت هذه المشتقات إنتاج الصدرية بشكل مختلف، أم أنها نسفت مشروعها وفتحت الباب لولادة تيارات تتجاوز مرجعيتها الأولى بالكامل؟
•الجذور المشتركة
نشأت عصائب أهل الحق داخل البيئة الصدرية، تحت سقف “جيش المهدي”، وضمن سياق مواجهة الاحتلال الأمريكي.
تشارك الطرفان القاعدة الاجتماعية نفسها، واللغة التعبوية نفسها، والمظلومية الشيعية نفسها، لكن مع اختلاف في أسلوب إدارة الصراع.
فبينما ظل التيار الصدري محافظا على المزج بين الحركة السياسية وبين الميدان الشعبي، اتجهت العصائب إلى مزيد من التخصّص العقائدي-العسكري، وأقامت بنية أكثر انضباطا، ما سهّل عليها التحوّل لاحقا إلى أحد أهم أذرع محور المقاومة داخل العراق.
•التباين العقائدي والسياسي
يتميّز التيار الصدري بخطاب جماهيري وطني الطابع، يتقاطع أحيانا مع المزاج القومي العراقي، ويستند الى رمزية آل الصدر الكرام لجذب الشارع الشيعي.
في المقابل، تبنّت عصائب أهل الحق خطابا عقائديا أكثر التصاقا بفكرة “ولاية الفقيه” ومقتضيات محور المقاومة، ما جعل موقعها الإقليمي أوضح وأكثر ارتباطا بالمحور وإيران.
على المستوى السياسي، عرف التيار الصدري بقرارات متغيرة، تراوحت بين الانخراط العميق في السلطة ومقاطعتها، بينما تمسكت العصائب بسياسة تثبيت مواقع النفوذ بهدوء عبر البرلمان والحكومة، مستندة إلى شرعية المقاومة وسلاحها المنظّم.
•إدارة القوة والسلاح
يمثّل ملف السلاح أحد أكثر نقاط الاختلاف حساسية، التيار الصدري جرّب مراحل متعددة، من جيش المهدي، إلى التجميد، ثم إعادة الإنتاج تحت اسم “سرايا السلام”، مع إبقاء القرار العسكري تحت مظلة القرار السياسي لزعيمه السيد مقتدى الصدر.
أما العصائب، فقد بنت هيكلا عسكريا شبه مستقل، أكثر انضباطا وأقل خضوعا للقرارات السياسية، ما منحها قدرة تفاوضية وأمنية متقدّمة ضمن المشهد العراقي، وأدخلها بثبات في منظومة “الحشد الشعبي” كقوة معترف بها رسميا.
•الشرعية الشعبية والسياسية
احتفظ التيار الصدري بقاعدة جماهيرية واسعة، تمكّنه من تعطيل مسارات الدولة أو دفعها وفق المصالح الوطنية التي يؤمن بها، لكنه دفع ثمن ذلك بتآكل الثقة النخبوية وتذبذب التحالفات.
في المقابل، لم تحظ العصائب بجمهور شعبي بحجم التيار، لكنها عوّضت ذلك ببناء نفوذ مؤسساتي-أمني مكّنها من لعب أدوار سياسية تفوق حجمها الشعبي، وضمن لها حضورا دائما في أي معادلة حكم أو صراع.
•أخيرا: أسئلة للمستقبل
تطرح تجربة التيار الصدري ومشتقاته أسئلة حادّة حول مستقبل البيئة الشيعية السياسية في العراق:
– هل ستبقى هذه الانشقاقات مجرّد خطوط فرعية تدور في فلك التيار الصدري، أم انها ستتحول إلى مشاريع بديلة تعيد تعريف دور الشيعة في الحكم؟
– هل يؤدي توازن القوة بين الشرعية الشعبية (التيار) والشرعية المؤسساتية (العصائب) إلى تصادم أم إلى توزيع أدوار منظّم؟
-وإلى أي مدى ستظلّ هذه القوى متأثرة بمتغيرات الإقليم، أم تنجح في إنتاج صيغة جديدة تعيد فيها وصل ما انقطع بين الشارع والدولة؟
الجواب على هذه الأسئلة سيرسم ملامح العقد السياسي الشيعي القادم، ويحدد إن كان العراق أمام إعادة إنتاج أزمة، أم أمام فرصة لإعادة صياغة معادلة الحكم بأدوات جديدة، لكن من رحم الانقسامات نفسها.


