أمريكا.. من القوة العظمى إلى القرصنة البحرية

أمريكا.. من القوة العظمى إلى القرصنة البحرية
يرى النص أن السياسات الأمريكية العدوانية تجاه إيران كشفت تراجع نفوذها وفشل أدواتها العسكرية والاقتصادية، مقابل صمود إيراني ومحور داعم، ما يعكس تحولاً في موازين القوى الدولية وبداية تآكل الهيمنة الأمريكية....

لم يخطر ببال الإدارة الأمريكية أنها بعدوانها الإجرامي على إيران ستقف عاجزة أمام الرد الإيراني المزلزل.

كما لم تتوقع أن ذلك الرد سينهي التواجد الأمريكي غير الشرعي في المنطقة،

وسيمنح إيران الحق في إحكام السيطرة على مضيق هرمز ليتحول المضيق إلى سلاح يفوق السلاح النووي ويتحكم في اقتصاد العالم،

لتجد أمريكا نفسها مطاردة في عرض البحر.

فمتى ما تخلت القوة العظمى عن عباءة القانون لترتدي قناع القراصنة،

وتستبدل هيبة الأساطيل بمنطق السطو،

وتجعل من خرق المواثيق البحرية مصدرًا لتباهي رئيسها على المنصات الرقمية، فاعلم أن الإمبراطورية قد نُعيت من داخلها قبل أن يسقطها أعداؤها.

فلكم ملأت واشنطن الدنيا ضجيجًا بحاملات طائراتها التي تجوب المحيطات، وبترسانتها التي ترهب الدول، وبسطوة البترودولار الذي يطوّع الاقتصادات.

أما اليوم، فتقف عاجزة عن كسر إرادة إيران بالعدوان والحصار وفرض العقوبات الجائرة والتهديد.

وها هي ترى بوارجها تترنح أمام الصواريخ والمسيرات الإيرانية في الخليج وبحر عمان والمحيط الهندي.

وحينئذ لم تجد إلا الانحدار إلى فعل القراصنة، فتصادر ناقلات النفط في عرض البحر وتعدّ ذلك نصرًا.

المفارقة أن رئيسها دونالد ترامب لم يجد حرجًا في أن يوثق هذا الانحدار بنفسه،

إذ كتب متفاخرًا أن بلاده استولت على ملايين البراميل من النفط الإيراني وأن طهران عاجزة عن الرد.

هكذا يكشف رئيس الدولة التي نصّبت نفسها حارسة للملاحة الدولية عن حقيقة أمريكا، ويصبح شاهد إثبات على أن دولته باتت خارج القانون،

وأن مجد الأساطيل ليس إلا وهمًا وغطاءً يواري سوءة زعماء العصابات.

إن السقوط لا يُقاس بتراجع عداد القاذفات، بل بانفضاض الحلفاء واهتزاز الصورة.

فالأطلسي الذي شُيّد ليكون ذراع أمريكا الضاربة، بات قادته يجاهرون بالحاجة إلى استقلال استراتيجي عنها، لأن تقلباتها أضحت عبئًا لا شريكًا.

حتى الجار الكندي لم يسلم من لغة الابتزاز حين لوّح ترامب بضمه قسرًا إن لم يدفع ثمن الحماية.

أما التهديد باختطاف رئيس فنزويلا، فيضع السياسة الخارجية في مصاف المغامرات الخارجة عن كل عرف.

لقد أدرك العالم أن الخطر لم يعد يأتي من خصوم واشنطن، بل من تهورها ذاته.

فالعواصم التي كانت تحسب لأمريكا ألف حساب، صارت اليوم تخشى جنونها أكثر مما تخشى غضبها،

وتلك أولى علامات العزلة التي تسبق الأفول.

ما الذي دفع الإمبراطور إلى خلع ثيابه أمام العالم؟

الجواب تكتبه طهران بمداد الصبر والدم.

فبعد أربعة عقود من الحصار، ورغم زعم ترامب في حرب الأربعين يومًا أنه قضى على منظومة الصواريخ الإيرانية،

لا تزال إيران تصدر نفطها، وتطور صواريخها، وتأبى الخضوع والاستسلام لشروط وإملاءات ترامب، وترد الصاع صاعين حين تُستهدف سيادتها.

اعترف قادة البنتاغون أن الردع التقليدي لم يعد يجدي معها، وأن حسابات الميدان تغيرت.

أما التهديدات التي أطلقها ترامب بإعادة إيران إلى العصر الحجري، فقد ابتلعها حين أمطرت الصواريخ الإيرانية قواعده

ومصالحه المنتشرة في المنطقة، وعجزت قوة الردع الأمريكية عن كسر الإرادة الإيرانية الصلبة.

حين يكثر الوعيد ويغيب الفعل، تتحول الهيبة إلى سخرية، ويصبح التهديد وثيقة اعتراف بالعجز.

لهذا لم يكن مستغربًا أن يلجأ البيت الأبيض إلى القرصنة، فاللص لا يسرق إلا حين يفلس،

والدولة لا تنحدر إلى هذا الدرك إلا حين تفلس خياراتها.

وقبل إيران، كان الدرس اليمني أبلغ وأقسى.

وإن بلدًا أنهكته الحرب، فرض معادلة جديدة في المياه الدولية،

وأرغم المدمرات التي تكلف المليارات على أن تراوغ صواريخ لا يتجاوز ثمنها آلاف الدولارات ثم تلوذ بالفرار.

المتحدثون باسم البنتاغون أقروا أن المعركة في البحر الأحمر مكلفة ومعقدة على نحو غير مسبوق،

وأن الهيمنة البحرية التي دامت عقودًا باتت موضع اختبار يومي.

فإذا كان هذا فعل “اليمن” التي استهانوا بها، فكيف تكون المواجهة مع إيران؟

لا شك أن محور الجهاد والقدس والمقاومة أثبت أن الإرادة حين تتوكل على الله تكسر الغرور،

وأن البحر الذي كان ملعبًا مستباحًا لواشنطن صار محرمًا عليها ومقبرة لسمعتها.

إن المأساة الأمريكية ليست في شخص ترامب وحده،

بل في بنية الدولة العميقة التي سمحت بتحويل السياسة إلى صفقات،

والدبلوماسية إلى تغريدات، والحرب إلى استعراض.

كبار الاستراتيجيين الذين خدموا الإمبراطورية حذروا قبل رحيلهم من أن قصر النظر

والاعتماد على القوة الغاشمة يقود البلاد إلى حافة الهاوية.

فكل رصاصة تُطلق في غير موضعها تصنع عدوًا، وكل عقوبة تُفرض ظلمًا توقظ وعيًا،

وكل عنجهية تُمارس تُسقط ورقة توت أخرى عن جسد “إمبراطورية الشر اللاأخلاقية للعالم”.

وهكذا، فكل إصرار على المواجهة مع محور القدس والجهاد والمقاومة لا ينتج نصرًا،

بل يراكم الفشل ويقرب اللحظة التي تدرك فيها واشنطن أنها لم تعد قادرة على فرض إرادتها، لا بالترهيب ولا بالترغيب.

ومن المعلوم أن انهيار القوى العظمى لا يأتي بغتة، بل يبدأ حين تتمادى في طغيانها ووحشيتها وتستبدل القانون الإنساني بقانون الغاب.

وحين ترى حاملة الطائرات تتراجع، والرئيس يتفاخر باللصوصية، والحلفاء يلتزمون الصمت المريب،

فاعلم أن السقوط لم يعد احتمالًا بل مسارًا.

إيران بمظلوميتها، والمحور بثباته وتماسكه، واليمن ببأسها، وجنوب لبنان بصموده، والحشد الشعبي بوفائه،

وغزة بدمائها، لم يهزموا أمريكا بالسلاح وحده، بل عرّوها أمام ضمير العالم،

وكشفوا أن الجبروت الذي أفسد في الأرض لم يكن إلا قشة في مهب إرادة المستضعفين.

والتاريخ، كما سننه التي لا تتبدل، لا يرحم إمبراطورية تخلت عن رداء القانون لترتدي لثام القراصنة،

ولا يمهل ظالمًا ظن أن البحار ملك يمينه، فإذا بأمواج الحق تكتسحه إلى الهاوية.

والحمد لله رب العالمين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *