من كيغالي إلى بغداد: درس رواندا في التسامح والإعمار ….كخريطة طريق لإنقاذ العراق

من كيغالي إلى بغداد درس رواندا في التسامح والإعمار ….كخريطة طريق لإنقاذ العراق
دعوة لرئيس الوزراء العراقي لاقتداء برواندا: التسامح بدل الثأر، مؤسسات سريعة وكفؤة، مكافحة المحاصصة والفساد، استيراد الخبرات، تقليص زمن تسجيل الشركات إلى ساعات. العبرة ليست بالموارد بل بسرعة التنفيذ...

سيدي رئيس الوزراء العراقي المكلف وباعتبارك شخصية اقتصادية تمتلك خبرة في مجال المال والأعمال والعلاقات الدولية أتوجه إليك بهذه النصيحة التي تستلهم روح النهضة من رماد الحرب الأهلية في رواندا ذلك البلد الأفريقي الذي لم يكد يخرج من مذبحة طائفية مروعة عام 1994 حتى تحول اليوم إلى معجزة قارية ومركز تجاري نابض .

وعاصمته كيغالي التي توجت كأنظف مدينة في العالم لم يحدث هذا التحول بمعجزة بل باختيار واعٍ  وجريء للغة التسامح والعفو كأساس للنهضة حيث أدركت القيادة الرواندية أن الانشغال بالثأر والمحاصصة والمحسوبية والفئوية يعني الموت البطيء للأمة فاتجهت بدلاً من ذلك إلى بناء مؤسسات سريعة وفعالة جعلت من رواندا الدولة الأسرع في تأسيس الشركات على مستوى القارة بفضل بيئة استثمارية مبسطة تنبذ الروتين والفساد.

وهنا يأتي دورك كرجل أعمال خبير إذ أنت قادر على فهم أن ما ينقص العراق ليس الثروات الطبيعية أو الكفاءات بل إرادة التغيير الجاد واختيار الكوادر الإدارية على أساس الكفاءة والصدق فقط وليس المحاصصة أو المحسوبية التي دمرت الدولة.

إنني أدعوك لأن تخطو خطوة ثورية بتقليد تجارب كسنغافورة وكوريا الجنوبية حيث لم تتردد هذه الدول في استيراد الخبرات الناجحة أو إرسال كوادرها للتدريب في بيئات متميزة فلماذا لا نطلب من تلك الدول صاحبة التجارب العالمية الناجحة أن ترسل لنا كوادر إدارية تعيد هيكلة الوزارات والمؤسسات العراقية أو نرسل بعثات عراقية جادة لتتعلم على أرض الواقع كيف تدار مدن بكفاءة وتُنشأ شركات في يوم واحد؟

تذكر كيف استعانت الصين بالدكتور العراقي الأصل إلياس كوركيس من بريطانيا ليقود نقلة نوعية في قطاعاتها .

وهنا يكمن الفارق الجوهري: رواندا لم تنتظر “الرجل القائد” بل صنعت نظاماً يستثمر الكفاءة مهما كان مصدرها،

بينما العراق لا يزال أسير مفهوم “الرجل القوي” الذي يدير المحاصصة بدلاً من تفكيكها. فخلال عقدين،

حوّلت كيغالي أكثر من 70% من استثماراتها العامة إلى قطاعات التكنولوجيا والخدمات اللوجستية،

بينما تذهب النسبة ذاتها في بغداد إلى رواتب موازنة تخدم كتلاً لا خدمات.

الاقتصاد الرواندي نما بمعدل 8% سنوياً رغم غياب النفط، والعراق يترنح عند 2% رغم ثروته المائية والنفطية.

العبرة ليست بالموارد بل بـ”سرعة التنفيذ” التي اختبرتها رواندا حين خفضت زمن تسجيل الشركات من 30 يوماً إلى 6 ساعات. إن لم تستورد العراق هذه الآلية لا غيرها، فسنظل نعيد ترتيب كراسي الفساد بدلاً من بناء مؤسسات تنافس كيغالي.

إذن فالعراق أولى بالاستعانة بخبرات أبنائه وشركائه الدوليين بشرط أن يكون الدعم حقيقياً وكبيراً وفي كل المجالات الخدمية والصناعية والزراعية لأن الرهان اليوم ليس على الخطابات بل على نتائج ملموسة تخرج بلداً غارقاً في الفساد والفشل إلى فضاء الإعمار كما فعلت رواندا او سنغافورة او كوريا الجنوبية والصين ،

وأنت يا سيدي تمتلك الخبرة المالية والعلاقات لتحقيق هذا الحلم لكن المطلوب هو الشجاعة على كسر النماذج الفاسدة وبدء مسار جديد من الصدق والجهد والمثابرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *