الديماغوجيةكلمةيونانية قديمة استخدمت في مسرح السياسة وتعني زعيم شعبي أو زعيم الغوغاء أو محرض الشعب، وهو سائس يحتكر مَرَاحُ السياسة بغطاء الديمقراطية ليكتسب شعبيته من خلال إثارة عامة الناس ضد النخب ، من خلال خطاباته أو تحليلاته ، يطل على جمهوره بوجه المخلّص، وبصوت يقطر وعوداً بالجنة على الأرض، وعيش رغيد لا تُعكّره أزمة ولا تلطّخه معضلة، هذا الأسلوب ليس جديداً، بل هو أداة قديمة متجددة تُعرف بـ( الديماغوجية) أي فنّ دغدغة مشاعر الجماهير وإثارة عواطفهم بوعود براقة وشعارات صاخبة، حتى وإن كانت بعيدة عن أرض الواقع. الديماغوجي لا يخاطب العقل، بل يغازل الغريزة، يزرع الخوف حيناً، ويبيع الأمل حيناً آخر. فهو يعرف أنّ الجماهير لا تُقاد دائماً بالمنطق والحسابات الباردة، بل تُساق بالعاطفة والخيال، لذلك يتفنّن في صناعة صورة ذهنية عن مستقبلٍ زاهر، أو عن خطر داهم لا ينجو منه الناس إلا بوجوده. فهويَعِدُ بلا حساب، ويتكلم بلا مسؤولية ، يَعِد الفقير بالرخاء، والعاطل بالوظيفة، والمريض بالدواء، حتى وإن كان يعلم مسبقاً أن موارده لا تكفي لتحقيق جزء يسير مما يقول. ولأن الجماهير غالباً ما تبحث عن من يُطمئنها، تجد نفسها تنساق خلف خطابه كمن يسير خلف قنديل في ليلٍ معتم، دون أن تدرك أنه يقودها إلى هاوية. خطورة الديماغوجية تكمن في أنها تخلق علاقة زائفة بين السياسي والناس تقوم على الكذب المزيّن، وعلى العاطفة المنفلتة من عقالها، مما يفضي إلى خيبات متكررة وانكسارات اجتماعية عميقة. وحين يكتشف المواطنين زيف تلك الوعود، يكون الوقت قد مضى، وتكون الخسارة قد وقعت، مقاومة الديماغوجية لا تتحقق إلا بوعيٍ جمعيّ يحترم العقل قبل العاطفة، ويطالب بالبرهان قبل التصفيق، ويستبدل مصطلح (سأفعل)بمصطلح (كيف سنفعل) فالمجتمع الذي يسير خلف الشعارات الخادعة يكرر مأساته، أما المجتمع الذي يربط وعود السياسيين بمشاريع ملموسة وخطط قابلة للتحقق، فإنه يضع حداً للديماغوجية ويحوّل السياسة من مسرح للوهم إلى ساحة للعمل.ولكوننا مقبلين على موسم الأنتخابات ستصادفون الكثير من الديماغوجيين يروجون لأنفسهم ويدغدغون مشاعركم فلا تنساقوا الى مَرَاحهم ولا تبتاعوا سلعهم !!بل انظروا إلى الواقع، ماذا قدموا على الأرض؟ لكي لا نُجبر للعودة إلى المربّع الأول ،فالمؤمن لا يُلدغ من جحرٍ واحد مرتين.
