الأصوات للبيع… حين يكون الوطن صفقة

الأصوات للبيع… حين يكون الوطن صفقة
تحوّلت الانتخابات في أجزاء كبيرة من العالم العربي إلى سوق لشراء الأصوات، حيث تُستغل الفقر والعشائرية لتثبيت النفوذ، ويُحمّل الكاتب المواطن مسؤولية جزئية عبر بيعه صوته، داعياً إلى وعي يُقدّس الاختيار الحر....

في ظل كل دورة انتخابية جديدة، يُعاد إخراج ذات المسرحية، لكن بأسماء ووجوه مختلفة. شعاراتٌ براقة، ولافتات تُلصق على الجدران، ووعودٌ تمطر الشارع السياسي بـالحلم المؤجل، وكأن المواطن لا ذاكرة له، ولا تجربة سابقة تردعه عن التكرار.

لكن الحقيقة المُرّة التي لا يمكن تجميلها، أن كثيرا من الانتخابات في عالمنا العربي، لم تعد تجسيدا للديمقراطية، بل أصبحت موسما للبيع العلني لكرامة الفرد، وتجارةً بالأصوات تحت لافتة الحرية في سوق الأصوات .إن ما يحدث اليوم في مشهد الانتخابات، ليس عملية اقتراع حر كما ينبغي، بل مزاد مفتوح، تعرض فيه الكرامة للبيع، ويُساوَم فيه على أصوات الفقراء ومسلوبي الإرادة ،تُشترى القناعات المؤقتة ببطانية، كارت رصيد، أو وجبة غداء.

يُختزل الوطن في مبلغ مالي ، ويُقايض المستقبل على أبواب العشائر والمصالح وتحت عباءات الشيوخ. فما نراه ليس خيارا حراَ بل خضوعا مفروضا، أمّلته الحاجة، وصنعته خيبات متراكمة ومرشحين بذاكرة سمكية يزورون الأزقة والأحياء قُبيل كل انتخابات محملين بالابتسامات ووعود التوظيف والخدمات، هم ذاتهم من يختفون فور انتهاء الفرز، فلا يبقى منهم سوى صورهم المعلقة، كشاهد زور على ما كان.وأذا نالوا المقاعد  يعتلوا منصة التناسي ويتحول (الشعب)الذي جاؤوا منه إلى مجرد أرقام في تقاريرهم، أو سلم في صعودهم الشخصي. فالعملية الانتخابية زيفٌ مؤسَّس تُدار أحياناً وفق قواعد غير نزيهة وتوزيع المناصب على أساس الولاء والقبلية وبأسم المحاصصة لا الكفاءة .ويستغل الفقر لترسيخ النفوذ وتُستثمر العشائرية والوجاهية لتعطيل صوت العقل وتزييف الوعي من خلال التضليل الإعلامي ومنصات التواصل الأجتماعي ، وصناعة عدو وهمي.بل الأخطر من ذلك السكوت الرسمي عن الانتهاكات، حتى أصبحت الممارسات الملتوية وكأنه عرفا مشروعا.اما المواطنين بين المطرقة والسندان  بين الخوف واللامبالاة فلا يمكن إلقاء اللوم كله على حديثي الساسية وحدهم واللاهثين خلفها، فجزء كبير من المشكلة يكمن في المواطن الذي يبيع صوته بثمن بخس، ثم ينتظر التغيير!

يصوّت للعشيرة لا للكفاءة، ثم يشتكي من غياب التنمية !

يعزف عن الانتخاب كليّا، فيترك الساحة خالية من المؤهلين والكفاءات !

هذا المواطن ضحية الخيبة مرة، وشريك الجريمة عدة مرات ،  عليه أن يدرك أن الصوت الذي يبيعه اليوم، هو مستقبله المسلوب غدا. فلن ينصلح حال البلاد، إن بقيت الانتخابات سلعة تُشترى، والناخبون أدوات للاستغلال، والمرشحون تُجارَ وعود.

الديمقراطية ليست ورقة تُسقط في صندوق، بل وعي يُسقط الفاسدين ويبني دولة ذات سيادة .ما لم نستعد قيمة الصوت، ونُقدس مفهوم (الاختيار الحر)

فإننا سنظل ندور في ذات الدائرة

ننتخبهم بأيدينا..ونلعنهم بألسنتنا.

 جورج برناردشو قال:

(من الخطأ ان تنقل مجتمع عاش بدموية بنقلة واحدة إلى الديمقراطية،هذه النقلة ستولد لك الفوضوية، مما ستجعل الحمير تنتخب البغال ليقودونهم )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *