كيف تقنع الذباب أنها قمامة وليست ورود ….

كيف تقنع الذباب أنها قمامة وليست ورود ....
النص يرصد حالة شدّ وجذب في العملية السياسية العراقية، مبرزًا فجوة واسعة بين الشعب والنخبة، غياب رؤية قيادية، تفاقم الفساد، وتأثير الضغوط والتصنيف الأميركي للفصائل المسلّحة على هشاشة الاستقرار الوطني...

العملية السياسية بين الشد والجذب

مابين شد وجذب تمر العملية السياسية في العراق بمخاض عسير جدا، إذ لا تزال أسيرة التجاذبات والانقسامات بين مؤيد ومقاطع لذلك التشابك. هذا المشهد المرتبك يعد أمرا مهما لأنه يوضح مدى هشاشة النظام السياسي وعدم قدرته على التحرك بخطوات واثقة. فالعملية السياسية تسير بصورة تكاد أن تكون غير مرئية بالنسبة للجمهور، وربما محاطة بغشاء غير مقروء، الأمر الذي يعكس الفجوة الكبيرة بين الساسة والشعب، تلك الفجوة التي تتسع كلما طال أمد الأزمات دون حلول جذرية.

فجوة ممتدة بين الساسة والشعب

لقد نشأت هذه الهوة بسبب فترات الحكم المتعاقبة طوال عشرين عاما دون أن تقدم الحكومات المتعاقبة إنجازات حقيقية تساهم في تلطيف العلاقة بين الشعب والسلطة. فقد انتظر المواطن طويلا وعودا بإصلاحات اقتصادية واجتماعية، لكنه لم يجد سوى المزيد من التراجع في الخدمات الأساسية. الكهرباء ما زالت غير مستقرة، والمياه تعاني من التلوث والنقص، والبنى التحتية متهالكة، والبطالة في ازدياد. كل هذه الإخفاقات عمّقت الإحباط الشعبي وأدت إلى شرخ كبير يصعب ترميمه. وعلى الساسة في العراق أن يعيدوا النظر جذريا في أسلوب تعاملهم مع الشعب، لأن تجاهل مطالبه لم يعد خيارا، ولأن الشعب هو مصدر السلطات، ولا جدوى من أصوات تغرد خارج السرب.

غياب الرؤية عند القيادات

طلبا لفتات القوم فنحن نتحدث عن زعامات الصف الأول، التي كان من الأجدر بها أن تغيّر وجهات نظرها بدلا من الإصرار على مسارات عقيمة. هذه المسارات لم تجلب سوى التدهور والخذلان، وكأن هذه القيادات بلا مستشارين حقيقيين قادرين على صياغة حلول عملية. العراق اليوم يحتاج إلى عقل سياسي جمعي يعمل على تجاوز المأزق التاريخي، ولكن بدلا من ذلك نرى تمسكا بالسلطة ومكاسبها الضيقة. إن إصرار القيادات على البقاء في دوائر مغلقة يثير الاستغراب ويفاقم مشاعر الغضب الشعبي. فما قيمة السلطة إذا كان الشعب غائبا عن معادلاتها؟

المرحلة الحرجة والتحديات الخارجية

العراق اليوم يمر بمرحلة خطيرة جدا تتشابك فيها التحديات الداخلية مع الضغوط الخارجية. فالبلاد لم تعد فقط ساحة صراع بين الأحزاب والكتل، بل أصبحت ميدانا لتصفية الحسابات بين القوى الإقليمية والدولية. التدخلات المستمرة جعلت القرار العراقي مرتهنا لمعادلات أكبر منه، وهو ما أفقد مؤسسات الدولة استقلاليتها وضعف قدرتها على مواجهة الأزمات. يضاف إلى ذلك أن الفساد المستشري في المؤسسات الرسمية جعل المواطن أكثر شعورا بالخذلان، بعد أن تحولت ثروات البلاد إلى غنيمة بيد فئة محدودة.

تداعيات التصنيف الأميركي للفصائل المسلحة

في خضم هذه التحديات، صنفت الولايات المتحدة الأمريكية أربعة فصائل مسلحة جديدة على أنها فصائل إرهابية، وهو قرار من شأنه أن يعقد المشهد أكثر. هذا التصنيف لا يقف عند حد الإدانات السياسية، بل يفتح الباب أمام ضغوط أمنية واقتصادية وربما عسكرية. وهو ما يضع الحكومة العراقية في موقف حرج بين الاستجابة للضغوط الأميركية أو محاولة الحفاظ على توازن داخلي قد ينفجر في أي لحظة. السؤال المطروح هنا: هل تملك النخب السياسية العراقية رؤية واضحة تمكنها من حماية سيادة البلاد، أم أنها ستظل تدور في فلك السياسات الخارجية؟

مستقبل العملية السياسية بين الإرادة الوطنية والخطط الخارجية

إن السؤال الأعمق والأكثر خطورة اليوم يتمثل في: هل ستسير العملية السياسية في العراق وفق رؤية السياسيين وإرادتهم الوطنية، أم أنها ستخضع للرؤية الأميركية والمخطط الجديد للشرق الأوسط؟ هذا التساؤل يعكس حالة الضبابية التي يعيشها المشهد العراقي، حيث لا يبدو أن هناك اتفاقا داخليا حول أولويات بناء الدولة. المواطن البسيط ينتظر بفارغ الصبر أن يرى خطوات عملية، كتحسين الخدمات، ومحاربة الفساد، وتوفير فرص العمل، لكنه يجد نفسه أمام مشهد متشابك من التجاذبات الدولية والإقليمية.
إن التحدي الحقيقي يكمن في قدرة الساسة على استعادة زمام المبادرة، والارتقاء بخطابهم السياسي من دائرة المصالح الضيقة إلى دائرة المصلحة الوطنية العليا. فإذا لم يحدث هذا التحول، فستظل العملية السياسية رهينة لمعادلات الخارج وضغوطه، ولن يجد المواطن أي بارقة أمل في المستقبل.

ذلك ما سنشاهده لأيام القادمة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *