من النقد المستقل إلى السرديات المعلّبة: كيف يتحوّل الخطاب الإعلامي إلى أداة تدمير؟

من النقد المستقل إلى السرديات المعلّبة: كيف يتحوّل الخطاب الإعلامي إلى أداة تدمير؟
تيار إعلامي منظم في العراق يستخدم التكرار والتحريف لتقويض الثقة بالمؤسسات الوطنية وتوجيه النخب، مستغلاً الطبقة الإعلامية المحلية، ما يحوّل النقد إلى أداة هدم بدل البناء، ويستوجب فضح منهجية التضليل وتعزيز النقد المسؤول المبني على الأدلة....

في ظل المشهد الإعلامي والسياسي المتشابك في العراق، يبرز تيار إعلامي منظم، يظهر بانتظام على الشاشات المحلية والعربية، ليعيد إنتاج خطاب واحد بأشكال متعددة.

يبدو في ظاهره خطابا نقديا موضوعيا، لكنه في جوهره سرديات جاهزة ومعلّبة، هدفها تقويض شرعية الدولة، وزعزعة الثقة بالمؤسسات الوطنية، وتهيئة الرأي العام لتقبل أجندات خارجية متعارضة مع مصالح البلاد.

  • التحوّل الفكري والمذهبي

اللافت في هذا التيار أن غالبية أفراده (اعلاميين وصحفيين ومحللين وخبراء!) ينحدرون من الوسط والجنوب العراقي وينتمون إلى طائفة الاغلبية.

والكثير منهم كان يعمل في مؤسسات إعلامية تابعة للدولة وكان يمتلك خطابا معتدلا وربما مواليا للنظام الجديد.

الا أن تحوّلهم التدريجي والممنهج، نحو خطاب مشترك، موحّد، وموجه، يوحي بوجود شبكات تأثير خفية وضغوطات سياسية ومغريات إعلامية، تهدف إلى إعادة صياغة وعي جمهور معين في مناطق محددة.

تحوّل هؤلاء (الإعلاميين، والمحللين) من الولاء الى العداء ليس رأيا شخصيا ولا نضوجا فكريا، بل هو بالتأكيد مشروع استراتيجي هدفه خلق صورة مشوهة للعراق، عن طريق شريحة (شيعية) تتماهى مع رؤية إقليمية ودولية معادية للعراق وللحكم الجديد.

  • أساليب التكرار والتشويه

يقوم أسلوبهم الإعلامي على ثلاث ركائز رئيسية:

1-التشويه الممنهج: تحويل أي خطأ أو تقصير إلى فضيحة مصيرية، واستغلالها لنشر اليأس وإسقاط التجربة الوطنية برمتها.

2-التكرار الدعائي: ترديد عبارات وصور نمطية حتى تصبح “حقائق” في ذهن الجمهور، عبر مقاطع مقتطعة أو عناوين صاخبة تشد الانتباه وتخنق النقاش.

3-التزييف بلباس الحياد: تقديم خطاب منحاز على أنه “رأي أكاديمي” أو “قراءة خبيرة”، في حين أن محتواه لا يخرج عن السردية التي تريدها عواصم محددة.

  • الاستهداف الخفي للنخبة

تكمن الخطورة في أن هذا التيار لا يعمل على الشارع مباشرة، بل يوجّه رسائله إلى طبقة النخب وصانعي القرار.

وعبر البرامج الحوارية واللقاءات البحثية، تتحوّل رسائلهم إلى ما يبدو “تصورات عامة” أو مواد مؤثرة في القرارات الرسمية، مما يجعل تأثيرهم على السياسات أكثر عمقا من تأثيرهم على الشارع العادي.

  • التحدّي والإصلاح

النقد الحقيقي قيمة عليا لأي تجربة سياسية، لكنه عندما يتحوّل إلى ماكينة للتشويه وفقدان التوازن يصبح أداة هدّامة أكثر من كونه أداة إصلاح.

والمطلوب اليوم:

-كشف منهجية التضليل المستخدمة في السرد الإعلامي.

-فضح تقنيات التكرار والتزييف.

-إعادة الاعتبار إلى النقد المسؤول المبني على الوقائع والأدلة، لا على الوصاية الخارجية أو المشاريع المعلّبة مسبقا.

  • الخلاصة

ما نشهده اليوم ليس مجرد اختلاف آراء، بل محاولة ممنهجة لتفكيك الثقة الوطنية من الداخل.

هؤلاء الذين يظهرون بوجوه متعددة لا يسعون للإصلاح، بل لتكرار سردية معدّة مسبقا تهدف إلى إضعاف قدرة العراق على اتخاذ قراره المستقل.

والقضية ليست في الأفراد، بل في المنهجية، وبدون وعي جماهيري وفضح هذه الآليات، سيبقى الإعلام أداة لتمرير أجندات خارجية، بدل أن يكون أداة لتعزيز السيادة والروح الوطنية.

النقد الحقيقي يبني ويصحح، أما ما يقدمه هذا التيار الإعلامي الموحد فهو يهدم ويشوّه، ويترك فراغا يستغل بسهولة.

والفرق واضح، بين من يريد ان يبني وطنا، وبين من يبيع سرديات معدّة مسبقا تحت ستار الحياد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *