إن التجربة الديمقراطية في العراق، على الرغم مما تحمله من تضحيات ومعاناة، ما زالت تواجه تحديات كبيرة أبرزها الفساد والفشل في الأداء البرلماني. والسبب الجوهري لذلك أن الشعب، وهو مصدر الشرعية، يجد نفسه عاجزًا عن محاسبة من انتخبهم بعد أن تسيطر الكتل والأحزاب على القرار وتمنع أي محاولة لإقالة نائب أو محاسبته.
من هنا تبرز الحاجة إلى إصلاح جوهري يعيد الحق لأصحابه، ويجعل الدائرة الانتخابية هي المرجع الشرعي والوحيد لمحاسبة النائب الذي انتُخب منها. فالنائب لم يأتِ بشرعيته من الحزب أو الكتلة، بل من أصوات المواطنين، وعليه فإن هذا الحق يجب أن يُضمن في صميم النظام الانتخابي.
أهمية الإصلاح الانتخابي والرقابة الشعبية
تزداد أهمية الإصلاح الانتخابي في ظل التحديات الحالية التي تواجهها العملية الديمقراطية في العراق. فغياب الشفافية أو ضعف الرقابة على الانتخابات يهدد مصداقية النتائج ويؤثر على الثقة الشعبية في المؤسسات. لذلك، من الضروري أن يتم وضع آليات واضحة لتعزيز النزاهة الانتخابية وتفعيل دور المجتمع المدني في مراقبة العملية الانتخابية.
كما أن المشاركة الواسعة للمواطنين في الانتخابات ليست مجرد حق دستوري فحسب، بل هي أداة فعالة لضمان تمثيل حقيقي يعكس إرادة الشعب. فالانتخابات الحرة والنزيهة تساهم في محاسبة المسؤولين وتحفزهم على العمل لخدمة مصالح الناخبين، وتخلق بيئة سياسية متوازنة تقلل من هيمنة الأحزاب الكبيرة على القرار الوطني.
المقترح الإصلاحي وآليات سحب الثقة
المقترح الإصلاحي يتمثل في إدخال آلية قانونية واضحة تسمح بما يلي:
- يحق للناخبين في الدائرة الانتخابية تقديم طلب سحب الثقة من نائبهم إذا تجاوزت نسبة التواقيع المؤيدة لذلك 25% من مجموع الناخبين المسجلين في الدائرة.
- عند تحقق هذا الشرط، تلتزم المفوضية العليا بتنظيم انتخابات فرعية خلال مدة لا تتجاوز تسعين يومًا لاختيار نائب بديل.
- لا يحق فتح طلب سحب الثقة أكثر من مرة واحدة بحق النائب نفسه خلال الدورة الانتخابية الواحدة، وذلك لمنع الاستغلال السياسي أو الفوضى.
- يكون قرار الناخبين ملزمًا، ولا يجوز لأي حزب أو كتلة سياسية الاعتراض أو تعطيل هذه الآلية .
وتأتي هنا أهمية المفوضية العليا المستقلة للانتخابات بوصفها الضامن الرئيسي للشفافية والنزاهة في كل مراحل العملية الانتخابية. فهي الجهة المخولة بتنظيم الانتخابات ومراقبتها والتأكد من تطبيق القوانين واللوائح، بما يضمن حماية حقوق الناخبين والمرشحين على حد سواء، ويعزز الثقة الشعبية في نتائج الاقتراع.
إن إقرار مثل هذا الحق سيعيد الثقة بالعملية الديمقراطية، ويجعل الناخبين على يقين أن صوتهم لا ينتهي بعد يوم الاقتراع، بل يمتد طوال الدورة البرلمانية، ويضمن أن النائب يبقى خاضعًا لإرادة الشعب لا لإرادة الكتل السياسية.
إنها خطوة في طريق الإصلاح الحقيقي، الذي لا يكتمل إلا بعودة القرار إلى من يملكه أصلًا: الشعب العراقي.
من كتاب عودة وطن .


