من طوفان الأقصى كانت البداية ….

من طوفان الأقصى كانت البداية ….
شهد لبنان بعد طوفان الأقصى تغييرات جذرية أدت إلى خلع سلاح المقاومة وإضعاف دورها السياسي والعسكري، وسط هيمنة القرار الأمريكي. تُطرح تساؤلات حول مصير المقاومة وسبل الخروج من الأزمة بأقل الخسائر، في ظل غموض المستقبل....

السابع من أكتوبر لعام ٢٠٢٣ كانت أولى شرارات طوفان الأقصى تنطلق في تمام الساعة السادسة صباحًا بتخطيط وتنفيذ من قيادة حركة حماس الفلسطينية العسكرية، بقيادة وأوامر من الشهيد يحيى السنوار والشهيد محمد الضيف. وكانت هذه الانطلاقة مفصلًا تاريخيًا في السياسة والعسكر والأمن، وأصبح التأريخ للمنطقة كالتالي: ما قبل طوفان الأقصى و ما بعد طوفان الأقصى.

الحديث اليوم يجب أن يكون صريحًا دون مواربة أو تجميل أو تدوير للزوايا، فالمنطقة كلها، وخاصة لبنان، دخلت في نفق مظلم الله وحده يعلم كيف الخروج منه. لذلك أكثر ما نبتغيه أو نرمي إليه هو الحقيقة ولا شيء غير الحقيقة. وأعلم أن الصراحة قد لا تعجب البعض، ولكن قد حان الوقت لوضع الأمور في نصابها وطرح الأسئلة المناسبة والمباشرة علّنا نصل لإجابات صادقة وواقعية لا تجميل فيها.

قبل طوفان الأقصى وما استتبعه

وتحديدًا في شهر أيار من العام ٢٠٠٠، تم انسحاب جيش الاحتلال الصهيوني من جنوب لبنان تحت ضربات المقاومة اللبنانية. وسُجّل للبنان انتصار ساحق على العدو الإسرائيلي بانسحابه من هذا البلد الصغير دون قيد أو شرط، فقط بدعوى تنفيذ القرار ٤٢٥ الصادر من الأمم المتحدة عام ١٩٧٨. وكان هذا نصرًا مؤزرًا للبنان ومقاومته وللعرب وللمسلمين، وكان إلى جانب كونه نصرًا عسكريًا قد أعطى معنويات لكل الأحرار الذين جعلوا من فلسطين بوصلتهم.

في العام ٢٠٠٦ قامت المقاومة اللبنانية بعملية خطف لجنود إسرائيليين في منطقة مزارع شبعا، وقد كان الهدف منها تحرير الأسرى اللبنانيين وعلى رأسهم عميد الأسرى اللبنانيين سمير القنطار عبر عملية تبادل. في اليوم ذاته شنت إسرائيل عدوانًا على لبنان دام ٣٣ يومًا، تسبب بدمار كبير في البنية اللبنانية، ولكن بالمقابل استطاعت المقاومة إدارة المعركة بكفاءة وتكبيد العدو خسائر جمّة، هذا طبعًا مع منع العدو من التقدم، مما اعتُبر نصرًا للبنان. ولتكتمل فرحة المقاومين بالنصر، أعلنت لجنة فينوغراد الإسرائيلية بطريقة غير مباشرة عن هزيمة الكيان وعن إخفاق جيش العدو في تحقيق أهدافه.

بعد الحدثين الهامين اللذين ثبتا المقاومة كندّ للعدو وصبغا المنطقة بصبغة جديدة وهي التبدل في الصراع العربي–الإسرائيلي، عاش لبنان وخصوصًا جنوبه فترة من الهدوء امتدت منذ سنة ٢٠٠٦ ولغاية أكتوبر ٢٠٢٣. وكانت هذه الفترة تزخر بالمعنويات العالية وتطاول أبناء القرى الحدودية على المستوطنين وجيش الدفاع الإسرائيلي، بحيث إن القرى الأمامية كانت في هذه الفترة آمنة أكثر من عدة مناطق في لبنان. وتبلورت فكرة ساهم إعلام المقاومة في تثبيتها، وبالطبع قيادة المقاومة وعلى رأسها سماحة الأمين العام الأسبق الشهيد نصرالله، بأننا أقوياء لدرجة تخيف العدو، وبأننا في أي معركة قادمة سنعيد الكيان للعصر الحجري، وبأن فرقة الرضوان التابعة للحزب ستدخل الجليل، وأن القتال سيحصل داخل الشمال الفلسطيني.

إسناد غزة

وبهذه المعنويات العالية والنفسية الواثقة ذهبنا في ٨ أكتوبر ٢٠٢٣ لما اصطلح على تسميته إسناد غزة من الجنوب اللبناني، والذي تحوّل بعدها خلال سنتين تقريبًا إلى قصف وقصف مضاد بدأ على طول الجبهة ليتطور إلى حرب يومية صغيرة، حتى ذهبنا إلى العدوان الإسرائيلي الشامل على كافة مناطق لبنان، وخاصة الجنوب والضاحية والبقاع.

وسبق العدوان عملية الأجهزة من بيجر وخلافه وصولًا إلى اغتيال غالبية قادة الصف الأول، بمن فيهم وعلى رأسهم السيدان نصرالله وصفي الدين. وكانت هذه من الضربات الموجعة جدًا. طبعًا لا نستطيع إلا أن نذكر صمود المقاومين لمدة ٦٦ يومًا لمنع الجيش الصهيوني من التوغل داخل الأراضي اللبنانية، ولكن الكلفة من المقاومين كانت مرتفعة.

الاتفاق

خرجنا من العدوان بأسوأ اتفاق ممكن أن يحصل، وهو في العسكر: انسحاب حزب الله إلى شمال الليطاني، وتسليم أسلحته ومواقعه جنوب النهر للجيش اللبناني. وفيما احترمت المقاومة وقف إطلاق النار، فإن إسرائيل فعلت العكس، ولا زالت منذ حوالي تسعة أشهر تضرب بالاتفاق عرض الحائط، ولا يمضي يوم إلا وتشن غارات على مواقع أو تقوم بعمليات اغتيال على مساحة الوطن، حتى وصل عدد الشهداء من بعد وقف إطلاق النار إلى ما يقارب ٢٥٠ شخصًا.

أما في السياسة، فإن الدبلوماسية الأميركية استطاعت أن تدخل لبنان إلى القفص السياسي الأميركي، وفرضت الإتيان بـ جوزف عون رئيسًا للجمهورية، ونواف سلام رئيسًا للحكومة. وقد انتخب نواب الثنائي رئيس الجمهورية، وكذلك أعطوا الثقة للحكومة بناءً على البيان الوزاري الذي لم يلحظ بأي طريقة أو وسيلة تشريع المقاومة، بل بالعكس أكد على حصرية كل السلاح بيد الدولة. وبهذا تكون المقاومة خارج التشريع وقد أصبح سلاحها غير مرخّص.

هذا، وفي جلسة مجلس الوزراء قد تم إقرار نزع سلاح المقاومة، وقد طلب من قائد الجيش إعداد خطة لنزعه تبدأ من الآن، والمفروض أن تنتهي عند نهاية العام. الغريب في الأمر أن وزراء الثنائي لم يستقيلوا أو يعتكفوا، فقط تركوا الجلسة.

الأسئلة

أما بالنسبة للنقاط الخمس أو السبع التي تحتلها إسرائيل، والأسرى الذين بحوزتها، وعمليات القصف اليومي والاغتيالات، قلّما يتحدث أحد بشأنها. والطامّة الكبرى، ولتزيد الطين بلة، أن يتم إخراج إسرائيلي من السجون اللبنانية ويسلَّم إلى الكيان عبر الوسطاء دون أن نفاوض على من لنا لديه.

السؤال اليوم:

  • هل ما عشنا به من ميديا المقاومة كان للإعلام فقط؟
  • ولماذا ساهمت المقاومة بالإتيان بأشخاص يريدون نزع سلاحها؟
  • وكيف ستتعامل مع من سينزع سلاحها وهو المؤسسة الجامعة لكل اللبنانيين، أي الجيش اللبناني؟
  • وهل كان أفضل للبنان وللمقاومة وللحزب أن لا يدخلوا في معركة الإسناد كي لا نصل إلى ما وصلنا إليه، وخاصة أننا أوقفنا كل أشكال الإسناد عن غزة منذ وقف إطلاق النار؟
  • والسؤال الأهم: كيف ستخرج المقاومة من هذا المأزق بأقل الأضرار الممكنة؟

أسئلة برسم قيادة المقاومة، دون أي نية سيئة، فقط نريد الإيضاح.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *