يتجدد الجدل في العراق حول قانون الأحوال الشخصية، ولا سيما في ما يتعلق بتغليب المدونات الفقهية التقليدية على القوانين المدنية الحديثة. لست هنا بصدد الخوض في النقاش الفقهي البحت، إذ لست متخصصاً في علوم الشريعة، غير أنني أود أن أفتح أفقاً موازياً للنقاش يتناول أثر التقدم التكنولوجي المتسارع في بنية القيم الدينية وانعكاساته على سلوك الفرد والمجتمع.
تشير أبحاث ومنتديات علمية عالمية، مثل المنتدى الاقتصادي العالمي، إلى أنه بحلول عام ٢٠٥٠ ستشهد البشرية تطوراً غير مسبوق في صناعة الروبوتات المدمجة بالذكاء الاصطناعي. هذه الروبوتات ستتميز بقدرتها على محاكاة دقيقة للسلوك الإنساني، والتعبير عن المشاعر، والتفاعل بمواصفات جسدية متطورة لا تقل جودة عن البيولوجيا البشرية، بل قد تتفوق عليها في بعض الأبعاد الفكرية والسلوكية والخلقية. ومن المتوقع أن يصل عدد هذه الكائنات الاصطناعية الشبه-إنسانية إلى نحو عشرين مليار وحدة تُطرح في صورة “خادم” يلبّي ما يحتاجه الإنسان من خدمات شخصية وعامة. وتجدر الإشارة إلى أن مراكز البحوث لدى بعض الشركات العالمية بدأت بالفعل بتطوير أرحام اصطناعية تحاكي البيئة الطبيعية للأرحام، ابتداءً من عملية التلقيح ومروراً بفترة الحمل وصولاً إلى الولادة. إن مثل هذه الإنجازات العلمية ستفتح أبواب الجدل الأخلاقي والنقاشات القانونية على مصاريعها.
إن هذه التطورات تفرض تحديات جديدة على الأطر القانونية والفقهية في العراق، حيث يتطلب الأمر إعادة تقييم المدونات التقليدية لتتماشى مع الواقع الجديد. فالتقدم التكنولوجي لا يقتصر على تغيير أنماط الحياة فحسب، بل يعيد تشكيل مفهوم الهوية الإنسانية ذاتها. ومن هنا، تصبح الحاجة ملحة لتطوير إطار قانوني مرن يوازن بين القيم الدينية والثقافية وبين متطلبات العصر. مثل هذا الإطار يتطلب تعاوناً وثيقاً بين الفقهاء والمشرعين وخبراء التكنولوجيا لضمان توافق التشريعات مع التحولات العالمية.
تحديات المدونات الدينية في ظل التكنولوجيا
أمام هذه التحولات الجذرية، يفرض السؤال نفسه: ما موقع المدونات الدينية التقليدية من هذه المتغيرات المستقبلية، خصوصاً فيما يتعلق بالعلاقات الاجتماعية والأسرية؟ وكيف سنتعامل مع انعكاساتها على السلوك المجتمعي في ظل التقدم التكنولوجي؟ هل ستبقى البشرية أسيرة النصوص القديمة، وهل سيتمكن الفرد من كبح رغباته بما ينسجم مع تلك المدونات؟ أم أن المجتمعات ستتجه نحو تبنّي سلوكيات وتشريعات أكثر انسجاماً مع متطلبات الواقع العلمي والتكنولوجي الجديد، حتى وإن تعارضت مع بعض الموروثات الفقهية؟
إعادة قراءة السلوك الإنساني
قد تكون مجتمعاتنا بحاجة ماسّة إلى قراءة أكثر واقعية للسلوك الإنساني في ضوء تأثيرات التطور التقني، وإلى إعادة دراسة الأنثروبولوجيا من منظور مغاير يتجاوز القراءات الكلاسيكية الجامدة. إن طرح مثل هذه التساؤلات لا يهدف إلى نسف الموروث، بل إلى فتح حوار عقلاني حر، بعيد عن القيود والتابوهات والأحكام المسبقة.
إن المطلوب اليوم هو شجاعة فكرية لدى النخب الثقافية والأكاديمية، بما يتيح الوصول إلى صيغ تشريعية حديثة تنظّم العلاقات الاجتماعية وتضبط سلوك الأفراد، من دون أن تُقوّض الحريات أو تصطدم سلباً مع التطور التكنولوجي، الذي بات يشكّل ركناً أساسياً في صياغة مستقبل البشرية ورفاهيتها. مستقبل لا تزال ملامحه النهائية عصيّة على الاستقراء.


