استقراء الماضي واستشراف المستقبل

استقراء الماضي واستشراف المستقبل
تحذيرات سابقة عام 2012 من حرب إقليمية عبر مضيق هرمز. مقترحات لتنويع منافذ النفط العراقي أهملت. اليوم توقف التصدير الجنوبي للنفط وخسائر يومية تفوق 350 مليون دولار. ضرورة حكومة إنقاذ وطني....

في ربيع عام ٢٠١٢، نظّم مصرف «كريدي سويس» منتدىً اقتصادياً رفيع المستوى في هونغ كونغ، شارك فيه ما يقارب ٢٠٠٠ شخصية من مختلف أنحاء العالم، من بينهم أكثر من عشرين رئيس دولة وحكومة ووزير، إلى جانب نخبة من قادة شركات الطاقة والمصارف والمؤسسات الاستثمارية العالمية. وقد شكّل ذلك المنتدى منصة استثنائية لتبادل الرؤى حول تحولات الاقتصاد العالمي، ولا سيما في ما يتصل بأمن الطاقة وتوازناته.

خُصِّصت الجلسة الافتتاحية لمناقشة الشرق الأوسط وأمن الطاقة العالمي، وترأسها رئيس الوزراء البريطاني الأسبق السير جون ميجر، بمشاركة متحدثَين رئيسيين: الدكتور محمد البرادعي، المدير العام الأسبق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، وكاتب هذه السطور بصفتي متخصصاً في أمن الطاقة واقتصادياتها. وقد ساد النقاش آنذاك تفاؤلٌ حذر إزاء مستقبل المنطقة؛ إذ كانت المؤشرات توحي بإمكانية حدوث انفراج في الملف النووي الإيراني، رغم تشدد إدارة الرئيس محمود أحمدي نجاد، وذلك مع بروز التيار الإصلاحي واحتمالات صعوده إلى السلطة، وهو ما تحقق لاحقاً بانتخاب حسن روحاني في العام التالي، وصولاً إلى الاتفاق النووي عام ٢٠١٥ بين طهران ومجموعة الخمسة + ١ (أعضاء مجلس الأمن وألمانيا) خلال إدارة الرئيس باراك أوباما، قبل أن تنسحب الولايات المتحدة من الاتفاقية مع تولّي الرئيس دونالد ترامب الحكم في دورته الأولى.

غير أن مداخلتي في تلك الجلسة، وما تلاها من نقاشات جانبية، ركّزت على سيناريو مغاير لم يلقَ ترحيباً واسعاً آنذاك. فقد حذّرتُ من أن إسرائيل لن تسمح بقيام أي برنامج نووي لدولة شرق أوسطية أخرى، وأنها ستسعى، في لحظة سياسية مواتية، إلى دفع المنطقة نحو صراع إقليمي واسع، مستفيدةً من وصول إدارة أمريكية جمهورية أكثر تشدداً إلى البيت الأبيض لنقض أي اتفاقيات وتفاهمات حول الملف النووي الإيراني. واستندتُ في هذه القراءة إلى سوابق تاريخية، أبرزها تدمير إسرائيل لمفاعل تموز النووي العراقي عام ١٩٨١، رغم طابعه السلمي وتعاون العراق مع فرنسا وتحت إشراف جهات دولية عليه، في سياق إقليمي ودولي معقد كانت فيه التوازنات تُدار بمنطق القوة والردع. علماً أن صدام حسين رئيس النظام العراقي السابق كان رأس حربة الحرب الدائرة ضد إيران وبالوكالة عن إدارة الجمهوريين ورئيسها رونالد ريغان، وبمعونة ودعم أوربي واسع بمعية الاتحاد السوفيتي ودول مجلس التعاون الخليجي ابان ثمانينات القرن الماضي، في فاصلة زمنية كان العراق الأقوى اقليمياً في الوسط العربي وإيران هي الأضعف.

وقد وثّقتُ هذه الرؤية لاحقاً في مقالات نشرتها مجلة Petroleum Economist، مشيراً إلى احتمال لجوء إيران إلى توظيف مضيق هرمز كورقة ضغط استراتيجية، بما يرهن الاقتصاد العالمي في تهديد ٢٠٪ من إمدادات الطاقة العالمية وسلاسل الإمداد التجارية. وفي مثل هذا السيناريو، تتحول المواجهة من صراع عسكري تقليدي إلى حرب استنزاف اقتصادي طويلة الأمد. فبرغم قدرة الولايات المتحدة وحلفائها على إشعال النزاعات، إلا أن مآلاتها النهائية غالباً ما تُحسم بإرادة الطرف المُستهدَف، لا سيما إذا كان يمتلك نفساً طويلاً وقدرة على الصمود والمقاومة، كما هو حال إيران تاريخياً.

عقب عودتي إلى بغداد، وكنتُ العراقي الوحيد المدعو بصفة شخصية إلى ذلك المنتدى، رفعتُ مذكرة إلى الحكومة العراقية آنذاك، وتحديداً إلى وزارة النفط، تضمنت رؤية استراتيجية لتعزيز أمن الصادرات النفطية عبر تنويع المنافذ. واقترحتُ تطوير خطوط التصدير عبر تركيا إلى ميناء جيهان، وعبر الأردن إلى ميناء العقبة، بطاقة إجمالية للمنافذ لا تقل عن ٣.٥ مليون برميل يومياً، وربطها باتفاقيات تجارية وأمنية، بما في ذلك ملف المياه مع تركيا. كما أوصيتُ بالاستثمار في منشآت خزن نفطي خارجية في آسيا بسعة لا تقل عن ٣٠٠ مليون برميل، لتكون بمثابة احتياطي استراتيجي يُستخدم في أوقات الأزمات، ويمنح العراق مرونة أكبر في إدارة حصته السوقية واقتناص الفرص خلال فترات الاضطراب أو العقوبات الدولية على منتجين آخرين.

غير أن هذه المقترحات لم تُؤخذ بالجدية المطلوبة، لأسباب متعددة، لعل أبرزها محدودية الرؤية الاقتصادية في إدارة الدولة، واستمرار تأثير أنماط التفكير التقليدية ذات النزعة الريعية والموروث الاشتراكي على عملية صنع القرار بعد عام ٢٠٠٣.

واليوم، وفي خضم صراع إقليمي محتدم بين إيران وتحالف تقوده الولايات المتحدة وإسرائيل، يجد الاقتصاد العراقي نفسه في مواجهة تحديات غير مسبوقة قد تتجاوز وطأة الحصار في تسعينيات القرن الماضي. فقد أدت التهديدات التي طالت مضيق هرمز إلى توقف شبه كامل للصادرات النفطية الجنوبية، نتيجة انسحاب شركات التأمين من تغطية الناقلات وتفعيل بند القوة القاهرة على عقود جولات التراخيص الاستخراجية مع توقف عمل الشركات الأجنبية، واقتصار التصدير على كميات محدودة عبر إقليم “كردستان العراق” لا تتجاوز ٢٠٠ ألف

برميل يومياً، فضلاً عن كميات هامشية عبر الأردن وسوريا جُلّها من زيت الوقود. وتُقدَّر الخسائر اليومية بسبب توقف التصدير الجنوبي للنفط بأكثر من ٣٥٠ مليون دولار حسب الأسعار الحالية، ما يعني نحو ١٢ مليار دولار خلال الشهر الأول من الحرب، إذا ما أُخذت في الحسبان خسائر الإيرادات النفطية والجمارك وتعطل النشاط التجاري.

أمام هذا الواقع، تتكشف سيناريوهات اقتصادية قاسية أحلاها مر، تبدأ بإعادة هيكلة سلم الرواتب والقطوعات وربما تأجيلها عبر آليات ادخار إجباري، ولا تنتهي عند احتمالات تقليص الجهاز الحكومي أو استنزاف الاحتياطي النقدي، بما قد يقود إلى تدهور حاد في قيمة العملة الوطنية وارتفاع معدل التضخم وتراجع الناتج المحلي. ويُضاف إلى ذلك خطر أزمة وقود خانقة وتدني أداء الشبكة الوطنية للكهرباء، نتيجة توقف إمدادات الغاز الإيراني وضعف استثمار الغاز المصاحب محلياً مع توقف إنتاج الحقول، فضلاً عن التحديات التي تواجه قطاع التكرير في ظل محدودية الطاقة الخزنية للنفط الأسود والذي يُشكل ٥٠٪؜ من إنتاج المصافي بسبب تقادمها.

إن ما يحتاجه العراق اليوم، بعد إهدار فرص تاريخية امتدت لأكثر من عقدين، هو تشكيل حكومة إنقاذ وطني ذات هوية اقتصادية واضحة، تقودها كفاءات تمتلك الخبرة والمعرفة وفق معايير دولية، وتنتهج خطاباً صريحاً مع الشعب، مدعوماً بإرادة سياسية حقيقية. حكومة تضع خطتين متوازيتين: الأولى لإدارة تداعيات المرحلة الراهنة وعبور أزمة الحرب، والثانية لإطلاق إصلاحات هيكلية جذرية تضمن صمود الاقتصاد واستدامته، وتحول دون انزلاق البلاد نحو أزمات تهدد استقرارها الاجتماعي والسياسي.

ختاماً، لقد كلفتنا المحاصصة السياسية، وقصر النظر في إدارة الموارد، ومنهجية ردود الأفعال في إدارة الدولة، أثماناً باهظة. وليس أمامنا اليوم سوى أن نعيد قراءة الماضي بوعيٍ نقدي، ونستشرف المستقبل برؤية استراتيجية، حفاظاً على مصالح الشعب وصوناً لحقوق الأجيال القادمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *