•معاناة المواطن على أرصفة السياسة
في صباح عراقي مرهق، اصطف العشرات أمام منافذ الصرف بانتظار رواتبهم التي تأخرت أياما وأثارت القلق والشكوك.
وجوه أنهكتها عقود الخدمة، وعيون تبحث عن بصيص طمأنينة!
وصلت الأموال أخيرا، لكن القلق لم ينتهِ، فالأزمة، وإن خفت ضجيجها مؤقتا، تركت وراءها سؤالا خطيرا:
هل نحن أمام حادثة عابرة، أم بداية انهيار مالي يهدّد رواتب حتى الموظفين العاملين اليوم؟
• أبعد من “مشاكل فنية”
البيان الرسمي أرجع التأخير إلى “خلل تقني”، لكن طول الأزمة، وتزامنها مع انسداد سياسي، ومفاوضات متوترة، كشف أن المشكلة أعمق من تحديث برمجي.
العراق يعاني أصلا من اقتصاد ريعي هش، موازنة متأخرة، ونظام تقاعدي يستهلك بلا إنتاج.
تأخير الرواتب، ولو لأسابيع قليلة، كان كاشفا لحقيقة مخيفة، المنظومة المالية هشة بما يكفي لتهتز من عثرة بسيطة، فكيف إذا اشتدّت الضغوط أو تعمّقت الاختناقات؟
•الاقتصاد ورقة ضغط أمريكية
عائدات النفط العراقي تمر عبر حسابات تخضع لإشراف الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، وأي تحويل للعراق يتم بموافقة ومراقبة واشنطن.
لا يعني ذلك أن الولايات المتحدة هي التي أوقفت الرواتب، لكنه هذا يمنحها قدرة على التأثير في سرعة تدفق الأموال أو شروطها، بما يحدث اختناقات نقدية تترجم محليا كأزمات اجتماعية.
وهذا يجعل كل أزمة مالية في العراق، حتى لو بدأت محلية، عرضة للاستثمار السياسي الخارجي إذ تتحوّل بسرعة إلى ورقة ضغط في معركة النفوذ على مستقبل البلاد، من سلاح المقاومة إلى توازن التحالفات الإقليمية.
•تنافس انتخابي بلا سقف أخلاقي
ما إن ظهرت الأزمة حتى تحولت إلى مادة انتخابية، أطراف سياسية استغلت غضب الشارع لتقويض صورة الحكومة، والحكومة ردّت باتهام خصومها بتضخيم الأزمة و”تسييس” وجع الناس.
هكذا، وبدل أن تكون المشكلة حافزا للإصلاح، صارت مناسبة لتبادل الاتهامات ورفع الرصيد الانتخابي على حساب ثقة المواطنين بالدولة، فيما بقي الخوف يتصاعد من أن تكون الأزمة المقبلة أوسع وأشد وطأة.
•من ترحيل الأزمة إلى انفجارها
انطلاق الرواتب لا يعني أن الخطر زال، والسيناريوهات المفتوحة لا تزال قائمة:
– تهدئة مؤقتة: تضخ سيولة تكفي لتمرير الأشهر المقبلة، بينما يبقى الخلل البنيوي بلا علاج.
– اتساع الأزمة: تمتد الاختناقات لتطال موظفين آخرين، فيرتفع منسوب الغضب الشعبي، ويزداد الضغط السياسي الداخلي والخارجي.
– انفجار اجتماعي: انهيار الثقة بالدولة، احتجاجات واسعة، وانزلاق إلى إعادة ترتيب قسري للخريطة السياسية تخدم أجندات خارجية.
•اخيرا: الكرامة أولًا
ما حدث لم يكن “حادثة فنية”، بل إنذار مبكر، حتى لو عادت الرواتب، فإن الشعور بعدم الأمان المالي رسّخ القلق، وكشف هشاشة بنية الدولة أمام أي ضغط مالي أو سياسي.
والإصلاح الحقيقي يبدأ من بناء اقتصاد قادر على حماية حقوق المواطنين من عثرات السوق ومساومات السياسة، داخليا وخارجيا.
ومن دون ذلك، ستبقى كل أزمة سيولة قادمة اختبارا جديدا للدولة، ولصبر الناس، ولحدود السيادة نفسها.


