العراق وصعوبة المرحلة القادمة: غفلة الداخل ومحاولات الخارج

العراق وصعوبة المرحلة القادمة: غفلة الداخل ومحاولات الخارج
النص يؤكد أن العراق يواجه أخطر مراحله بعد 2003 بسبب الغفلة الداخلية وتدخلات الخارج، مع ضعف القيادة الحالية وعجزها عن تقديم مشروع وطني، ما يجعله أمام خيارين: إنتاج قيادة حقيقية أو السقوط في مشاريع التفكيك والتبعية...

تبدو المرحلة القادمة في العراق من أعقد المراحل التي مرّت بها الدولة منذ تأسيسها الحديث عام (٢٠٠٣)، إذ تتكاثر التحديات الداخلية وتتداخل مع مشاريع خارجية تسعى لتغيير «العرف» السياسي الذي قام عليه نظام ما بعد العام (٢٠٠٣). هناك محاولات جدية لإعادة صياغة مفهوم الدولة العراقية، ليس على أساس المصلحة الوطنية، بل على أساس معادلات دولية وإقليمية تجعل من العراق ساحة لتجاذبات القوى الكبرى ومجالاً لتصفية الحسابات.

المؤسف في هذا السياق أنّ “ربعنا”، أي القوى السياسية الشيعية تحديداً، غافلون أو متغافلون عن حجم هذه التحولات، منشغلون بمكاسب آنية، ومواقع شخصية، وصراعات جانبية، بدلاً من إدراك أنّ الدولة تُـعاد صياغتها أمام أعينهم! الغفلة هنا أخطر من المؤامرة، لأنها تفتح الأبواب مشرعة أمام من يريد العبث بالهوية الوطنية والدور السيادي للعراق.

غياب الخطاب الوطني الموحد

إن هذه الغفلة لا تقتصر على القوى السياسية فحسب، بل تمتد إلى النخب الفكرية والثقافية التي لم تتمكن من تقديم رؤية موحدة لمواجهة التحديات. فالعراق، بتاريخه الحضاري العريق، يحتاج إلى خطاب وطني يعزز التماسك الاجتماعي ويحمي سيادته. غياب هذا الخطاب يفاقم من ضعف الموقف الداخلي، مما يجعل البلاد أكثر عرضة للتدخلات الخارجية التي تسعى لاستغلال الانقسامات الداخلية لفرض أجنداتها.

أما على صعيد القيادة السياسية، فالحقيقة المؤلمة أنّ السيد محمد شياع السوداني المحترم -بمحدودية قدراته الإدارية والتنفيذية– ليس رجل دولة بالمعنى العميق للكلمة. رجل الدولة هو:

١- مَـن يقرأ المشهد الإستراتيجي.

٢- ويمتلك مشروعاً وطنياً متكاملاً.

٣- ويملك الجرأة على فرضه وحماية مساره.

هذه الصفات لم نشهدها في السيد السوداني المحترم و”لن” نشهدها. الأمر الذي يجعله خارج معادلة الرجل القادر أو الصالح على مواجهة المرحلة القادمة بما فيها من تحديات.

منذ سقوط النظام السابق وحتى اليوم، لم يحظَ العراق برجل دولة حقيقي على رأس الحكومة سوى السيد نوري المالكي. الأخير امتلك رؤية وإرادة، وواجه تحديات جسيمة، لكن لم يتح له فريق عمل حكومي وسياسي -حتى من داخل حزبه- يتناسب مع حجم مشروعه. غياب البيئة السياسية المساندة جعل جهوده منقوصة، وإن تمكن من تحقيق إنجازات كبيرة لم تحظَ بالمتابعة للمناكثة السياسية، لكنه لم يستطع أن يُـحدث التحول البنيوي المطلوب.

تداعيات الغفلة في الداخل

إن استمرار الغفلة الداخلية يعزز من نفوذ القوى الخارجية التي تسعى للهيمنة على قرارات العراق السياسية والاستراتيجية. هذا الواقع يفتح المجال أمام مشاريع خارجية تهدف إلى إعادة تشكيل الهوية الوطنية وفق أجندات إقليمية ودولية. غياب التنسيق بين القوى السياسية يجعل البلاد عرضة لتدخلات تستهدف استقرارها، مما يعيق بناء دولة قوية قادرة على حماية مصالحها. هذه التدخلات لا تقتصر على التأثير السياسي، بل تمتد إلى محاولات السيطرة على الموارد الاقتصادية والتوجيه الثقافي، مما يهدد بتفكيك النسيج الاجتماعي العراقي. الانقسامات الداخلية تحول دون صياغة استراتيجية وطنية موحدة، فتتيح للقوى الخارجية فرض رؤاها عبر أدوات مثل الضغوط الاقتصادية والتحالفات السياسية المشروطة. هذا الوضع يفاقم من هشاشة الدولة ويجعلها أكثر تبعية للخارج، مما يعرقل قدرتها على استعادة دورها التاريخي كمركز حضاري وسياسي في المنطقة.

اليوم، العراق أمام مفترق طرق: إمّـا أن ينجح في إنتاج قيادة وطنية تمتلك مشروع دولة حقيقي، أو أن يستسلم لمشاريع التفكيك والتغيير المفروض عليه من الخارج. وإذا بقيت القوى السياسية في حالة الغفلة والانقسام، فإن النتيجة الحتمية ستكون عراقاً هشّـاً، فاقداً للقرار، وعاجزاً عن حماية شعبه ودوره التاريخي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *