إسرائيل الكبرى بين الأسطورة التوراتية والوقائع السياسية على الأرض
يقول المثل الشعبي العراقي، “الما رضه بجزّة، رِضه بجزّة وخروف”، وفي الحكمة العربية يقال، “اطلب الكثير يهون القليل”، كلا المثلين يصفان ببلاغة ما يفعله نتنياهو اليوم حين يلوّح بخريطة (إسرائيل الكبرى) الممتدة من النيل إلى الفرات.
فالمطلوب ليس ابتلاع نصف الشرق الأوسط دفعة واحدة، فهذا حلم توراتي قديم، بل رفع السقف والتخويف من الوهم الأكبر، حتى يبدو احتلال غزة كاملة، وابتلاع الضفة الغربية، واقتطاع بعض أطراف سوريا ولبنان… مجرد “جزّة صغيرة” في عين العالم.
وهكذا تتحوّل الأسطورة إلى أداة تفاوض، وتتحول المبالغة إلى وسيلة لتسويق مشروع واقعي أكثر خطورة.
• أسطورة إسرائيل الكبرى: بين النصوص التوراتية والدعاية السياسية
منذ تأسيس الكيان الصهيوني، ظلّت فكرة “إسرائيل من النيل إلى الفرات” حاضرة في الوعي الديني والسياسي لليهود، يعاد إنتاجها في الأدبيات التوراتية، ثم في الشعارات الحزبية لحركات واحزاب مثل “الليكود” وغيره.
لكن هذه الفكرة لم تكن في أي يوم مشروعا واقعيا قابلا للتطبيق بالكامل، بل أداة دعائية تستحضر عند الحاجة لترهيب الخصوم وتوحيد الداخل الإسرائيلي حول حلم أسطوري.
• السقف العالي: تكتيك قديم في المساومة
رفع سقف المطالب ليس ابتكارا صهيونيا، إنه تكتيك تفاوضي قديم، “تطلب المستحيل لتظفر بالممكن”.
إسرائيل اليوم تدرك أن “من النيل إلى الفرات” مستحيل استراتيجيا، لكنها تلوّح به لتسهيل تحقيق الممكن، وهو السيطرة الكاملة على غزة، ابتلاع الضفة الغربية، وربما ضمّ مناطق حدودية في سوريا ولبنان تحت ذرائع أمنية أو ديموغرافية.
•غزة والضفة: الأهداف القريبة خلف الأسطورة
في الواقع الميداني، لا يهم إسرائيل سوى تفريغ غزة من أهلها وضمّ الضفة الغربية بالكامل بما فيها القدس والاغوار وحتى الداخل الفلسطيني المحتل “أراضي 1948” وتطبيق خطة الترحيل (Transfer).
أما الحديث عن مصر أو العراق أو السعودية في الخرائط الدعائية فهو مجرد “جزّة وخروف” إضافية، الهدف منها تغطية المشروع الحقيقي الجاري تنفيذه على الأرض “تطهير عرقي وتغيير ديموغرافي.”
• البعد الإقليمي: كيف يوظَّف الخوف في خدمة التطبيع؟
إثارة فكرة “إسرائيل الكبرى” لا تقتصر على الداخل الإسرائيلي؛ بل هي موجّهة للعالم العربي أيضا.
فكلما ضخّمت إسرائيل أحلامها، هرعت بعض الأنظمة إلى أحضانها طلبا للحماية أو التطبيع، متوهّمة أن الخطر الوجودي على حدودها قد صار واقعا.
وهنا يتحول الوهم إلى أداة ضغط سياسي على دول عربية لجرّها إلى مسار “الاتفاقات الإبراهيمية” أو صفقات أمنية جديدة.
•من الأسطورة إلى الواقع: ماذا بعد؟
التجربة التاريخية تثبت أن إسرائيل لم تنجح يوما في تحقيق مشاريعها الكبرى كاملة، فكل توسع يقابله صمود ومقاومة من الشعوب.
لكن الأخطر اليوم أن تغفل شعوب وقادة المنطقة حقيقة، أن تل أبيب لا تحتاج إلى النيل والفرات لتحقيق “الدولة اليهودية”، اذ يكفيها أن تفرغ فلسطين من أهلها وتفرض سيادتها الكاملة على غزة والضفة، لتعتبر أنها حققت جوهر المشروع الصهيوني.
• اخيرا
بين أسطورة “إسرائيل الكبرى” وواقع غزة والضفة، تتضح اللعبة الصهيونية، رفع السقف للتخويف، ثم الاكتفاء بما هو أخطر على الأرض، إنها سياسة “اطلب المستحيل لتأخذ الممكن” بوجهها الأكثر قسوة.
لكن هذه اللعبة لم تكن يوما قدرا محتوما ولن تكون، فكما أسقطت المقاومة أساطير إسرائيل في جنوب لبنان وغزة، تستطيع شعوب المنطقة أن تفشل مشروعها الجديد، إذا قرأت الأوهام في سياقها الحقيقي ولم تخدع بـ “الجزّة والخروف”.


