أكثر ما يخطئ فيه الناس العاديون هو تركيزهم على الأثر وترك السبب، فعند معالجة الأثر غالباً تكون المعالجة ظاهرية ترقيعية لا تلامس نتائجها البنية الاستراتيجية العميقة للظاهرة السلبية، أو قد يكون زوال الأثر وقتياً أو مؤقتاً ليعود مرة أخرى في مرحلة لاحقة، وكل ذلك بسبب عدم النظر التفصيلي في سبب الأثر، ومثال على ذلك ما تسعى الحكومات العراقية المتعاقبة لمعالجته في مجال #البطالة؛ فإنها تقوم بمعالجة الأثر عن طريق تعيين أكبر قدر ممكن من المطالبين بالتعيين، خصوصاً مع تصاعد #الاحتجاجات المطلبية، وفي هذا السياق فإنها تعالج الأثر، فتنتج مشكلة أخرى مركبة وهي الترهل الوظيفي الذي يُثقل ميزانية الدولة المالية بالمزيد من النفقات التشغيلية، بينما السبب هو عدم وجود استراتيجية حقيقية شاملة لمعالجة البطالة والفقر، كفتح المجال للقطاع الخاص المُنتج عن طريق تشريع قانون للاستثمار الحقيقي الذي له فوائده وثوابته وأعرافه المستقلة عن نظام المحاصصة السياسية.
وهذا المثال على بساطته يوضح لنا مدى الاختلاف بين معالجة الأثر ووضع حل للسبب، يقول جان جاك #روسو في العقد الاجتماعي: (إن أرسطو كأحد المدافعين عن المؤسسات الحقيقية محق في الواقع؛ لكنه مخطئ في تركيزه على الأثر عوضاً عن السبب..). وأي محاولة من قبل #القوى_المدنية لتجاهل السبب والالتهاء بالأثر فهو عبارة عن عبث محض، عبث سينشر الجهل والإحباط في أوساط المثقفين المتلهفين لمشروع اجتماعي مستقل ينتج عنه برنامج سياسي لإدارة الدولة، وأن أي توليفة تقوم على المزاوجة بين هذا وذاك وهذه وتلك من الأفكار الموبوءة بالوصوليات والنفعيات لا تعدو أن تكون عملية انتحار مجانية، وأي تقدير تعبيري لفظوي يُناجي الحقيقة والواقع ويؤمن بالخلاص ليس له إلا أن يعتزل الجميع ويفكر بالسبب، والا سيُصبح مجرد كياسة لفظوية تدغدغ المشاعر دون أن تمر على شغاف القلب وسويدائه.
الصبر الاستراتيجي عن المشاريع الأخرى
وبالمجمل فأن مشروع الدولة المدنية يجب أن يكون متفرداً ينتقل بالواقع من الفساد إلى النزاهة، بإبعاد القوى الراديكالية المتخمة بالمال العام في إطار عملية تنظيف وطنية سلمية وتدريجية، وفي هذا المسار يجب أن يعتمد قادة الحركة المدنية على الصبر الاستراتيجي والنأي بالنفس عن المشاريع الأخرى أو الموازية التي تستسيغ مشاركة الفاسدين في فسادهم والتبرير لإفعالهم وشرعنة وجودهم.
وهذا الإجمال المقدماتي يحتاج إلى تفصيل موضوعاتي وعلى النحو التالي :
– وضع تقييمات موضوعية خبروية للمرحلة الحالية، ويكون تقييم إداء الطبقة السياسية والحكومات التي تشكلت عن طريقها تقييماً تفصيلياً مسؤولاً.
– الإبتعاد بأسلوب القوى المدنية في عملية التخلص من القوى الراديكالية المتحاصصة عن مجرد إسقاط الفرض وإبراء الذمة، بل يجب السير بطريقة “البــــديل الشامــــل” الذي يجليها – أي القوى الراديكالية – من معادلة السلطة تماماً، وليس عبر مشاركتها، بل وحتى ليس عبر مزاحمتها بطرق قريبة إلى سلوكها السياسي فضلاً عن التماشي معها أو عقد إتفاقات مع بعضها، بل يجب أن تحرز القوى المدنية قبل دخولها إلى المعترك السياسي أن هذا الدخول سيُجلي القوى الفاسدة، كما يقول العارفون “التخلية قبل التحلية لتحصل على التجلية” وعلى طريقة القرآن_الكريم في آية الكرسي (فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله) أي يجب أن تستبعد الطاغوت أولاً – التخلية – وبعد ذلك تؤمن بالله – التحلية – لتحصل على التمسك بالعروة الوثقى – التجلية -، فعلى المدنيين أولاً إحراز إزاحة الفاسدين، ثم اعلان مشروعهم الخاص المستقل، لتحصل لهم التجلية المطلوبة وهي (التمسك بالعراق كوطن واحد بهوية مدنية جامعة).
– على القوى المدنية ممارسة “الوعي_النقدي” وأهم جزء منه هو الذي يؤدي إلى “الــــوعي الحـــدي” ومغادرة الثقافة التي تنشرها الأحزاب الفاسدة (ثقافة الي يعبي بالسلة عنب) فهذه الثقافة الغريبة تُديم الفساد والمحسوبية والأجندات الخارجية، بينما ثقافة الوعي النقدي تمحص الهوية الوطنية وتجعلها قوية مهابة.
– في موضوعة الانتخابات ضرورة إلتفات القوى المدنية إلى أن أي مشاركة بالانتخابات دون تمحيص المشروع السياسي الوطني المستقل، واختبار قدرته على الصمود بوجه المغريات والتحديات، يُعد انتحاراً وإشاعة للنفعية والتكسبية والدكاكينية السائدة، لذلك يجب اتباع نظام متكامل لمعايير الانتخابات المطلوبة وقانونها ومفوضيتها وضوابط الترشيح لها، وبخلاف ذلك فإن محاولة اقتحام العملية الانتخابية وممارسة هذه اللعبة الخطرة ستأتي بنتائج لا تختلف عن الواقع البائس الراهن، وخيار المقاطعة سيبدو أفضل المواقف السياسية في مثل هذه الحالة الراكدة، ولكن على المدنيين أن يوجهوا مقاطعتهم وترويجها لدعم مشروعهم الخاص.
– إن قوى المحاصصة والفساد والمحسوبية تسعى لكسب المزيد من القوى المدنية، عبر شراء الذمم، لهدف واحد فقط وهو تجميل الرثاثة الراهنة وشرعنة الوجود السياسي الحالي، لأنهم يعرفون بأن الفساد والفشل أصبح بمستويات عالية تولد الكراهية الاجتماعية ضدهم، ومن الممكن أن نطلق على الوجود الحالي “الوجود المحتضر” وما على القوى المدنية الحقيقية إلا أن تقوم بالعناية التلطيفية للواقع (Palliativ Care) عناية بالمحتضرين حتى لا يتسببوا بمشاكل كبيرة للواقع كتخريب مسارات التحول السلمية ومنع التداول السلمي للسلطة.
لن يبقى الحال كما هو عليه الأن، فالسنن الاجتماعية الحتمية تفترض زوال الفساد في أي وقت، وعلى القوى_المدنية أن تؤسس بنيتها المستقلة ولا تختزل نفسها بتكرار واجترار الخطابات الفكرية والثقافية الفضفاضة، والانتقال إلى العمل هو الأجدى حالياً.
مشاكل تكوين مسار مدني رصين
إن مشاكل عدة تكتنف تكوين مسار مدني رصين، وبالتالي ينعدم مشروع الحركة المدنية التي يجب أن تصبح بديلاً ضرورياً لمعادلة السلطة الحالية، ومن أهم هذه المشاكل :
1- لا توجد #رؤى_موحدة تتفق عليها القوى والشخصيات المدنية، وهذه المشكلة تشكل ما نسبته أكثر من 50% من فشل مشروع البديل المدني الصلب والمنسجم، وباقي المشاكل بمجموعها تشكل الـــ 50% الأخرى.
2- أغلب القوى المدنية والشخصيات المثقفة مخترقون من #الأحزاب_التقليدية المهيمنة على مقدرات البلد، وتتعدد أوجه هذا الاختراق بين الترغيب بالمغريات أو التأثير عليهم في أمنهم الشخصي والعائلي، وغير ذلك.
3- تكتنف القوى المدنية والشخصيات #النخبوية الكثير من الخلافات الشخصية، وتغذي هذه الخلافات عدد من الالتباسات التي بنيت عليها الفكرة المدنية.
4- تعرض القوى والشخصيات المدنية للشيطنة و #الدعاية_التسقيطية الممنهجة والمدفوعة الثمن، وفي هذه الحرب دائماً يكسب الطرف الثاني المناوئ لهم بسبب تمتعه بالموارد المالية وعدم تورع قواه اللاأخلاقية عن الطعن بالأخرين بشتى الطرق.
5- انعدام التخطيط للعلاقات الداخلية والخارجية للقوى المدنية، على خلاف خصومهم الذين يعرفون كيفية اللعب على الحبال.
6- العشوائية في عملية الكسب للفكرة المدنية، وهذه المسألة ساعدت في تشويه الخطاب_المدني وأظهرته في وسائل الإعلام عبارة عن فكرة غريبة عن المجتمع العراقي.
بدون معالجة هذه المشاكل لن يكون هناك مسار مدني يقتلع جذور القوى التقليدية ويحل محلها كمنقذ للعراق من التردي المتعدد الجوانب الذي يجتاحه الأن، وإن أول فكرة في طريق الاقتلاع النهائي (الحــــل النهائــــي) يجب أن تكون بتغذية الذهنية والعقلية العراقية بيقين متدرج بأن الحالة الإسلاموية المهيمنة على العراق قد شاخت ولم تقدم أي شيء لتحويل العراق إلى عراق قوي مزدهر، وهي حالة تستبطن الكثير من المشاكل الاستفزازية كالمشكلة الطائفية وكمعضلة التدخلات الخارجية.
يجب تهيئة الإنسان العراقي ليؤمن بالبديل لأنه منقذ ومخلص وليس ليستفيد منه كما استفاد من الأحزاب الإسلاموية، يجب أن نربي المجتمع على الجدوى في الواقع، وليس الجدوى في الشعار كما تبيع له أحزاب الفساد والفشل الشعارات على أنها منجزات، لا مناص الأن عن إقناع المواطن بأن خلاصه في النفــــع العــــام، وهذا لا يتحقق إلا في ظل مشروع مدني يجمع العراقيين على كلمة سواء.


