الرؤية الاستراتيجية الإيرانية بعد الحرب: بين حماية الداخل والدفاع عن الحلفاء

الرؤية الاستراتيجية الإيرانية بعد الحرب: بين حماية الداخل والدفاع عن الحلفاء
أبرز لاريجاني أن محور المقاومة شريك استراتيجي لإيران، مؤكداً أن الردع متعدد الأبعاد، والوحدة الوطنية والاقتصاد المقاوم أساس الأمن القومي. ورسم صورة لإيران قوية وواقعية تجمع بين حماية الداخل ودعم الحلفاء....

لاريجاني: محور المقاومة شريك استراتيجي للجمهورية الإسلامية

في مقابلة استثنائية، كشف الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، علي لاريجاني، عن رؤية طهران لما بعد الحرب الأخيرة مع إسرائيل.

تصريحات لاريجاني التي ادلى بها لموقع (Khamenei.ir)، لم تكن مجرد تعليق سياسي، بل قراءة دقيقة لكيفية إدارة الجمهورية الاسلامية للأزمات الداخلية والخارجية.

مشيرا الى ان محور المقاومة، هو شريك استراتيجي لإيران في حساباتها الإقليمية، لكن بـ ” توازن مدروس” بين حماية مصالحها الوطنية ودعم الحلفاء.

• إدارة الأزمة الأمنية: الوحدة الوطنية والقدرة على الصمود

لاريجاني أكد أن مهمة مجلس الأمن القومي الأساسية هي إدارة التحديات بما يضمن بيئة مستقرة للتنمية.

والحرب الأخيرة أثبتت أن الوحدة الوطنية هي الثروة الحقيقية للدولة، وأن تلبية احتياجات المواطنين شرط أساسي للأمن القومي.

كما ان تعزيز القدرات العسكرية والأمنية أصبح ضرورة لردع أي عدوان محتمل، وفي الوقت نفسه، تعتبر القدرة على الصمود الاقتصادي والاجتماعي امر لا يمكن تجاهله.

• استراتيجية الردع متعددة الأبعاد: القوة والتوازن

الردع الإيراني لم يعد عسكريا فقط، بل أصبح منظومة متكاملة تشمل:

– القدرات العسكرية والدفاعية لتعزيز الردع التقليدي.

-التحالفات الإقليمية والدبلوماسية النشطة لردع الضغوط السياسية.

– الاقتصاد الموازي عبر شبكات تجارية مع روسيا والصين وفنزويلا، مستخدمة عملات محلية لتجنب النظام المالي الغربي وهذا جزء من استراتيجية طويلة الأمد، وليس مجرد رد على العقوبات.

– الأدوات الإعلامية التي تستخدم لنقل الرسائل الاستراتيجية والتأثير على الرأي العام الإقليمي والدولي.

•الملف النووي: التصعيد والاحتواء بين السطور

شدد لاريجاني على أن إيران تحافظ على حقها في التكنولوجيا النووية السلمية، ولن تتراجع عن خياراتها الاستراتيجية إذا شعرت بالتهديد.

وهاجم بشدة مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية (رافائيل غروسي)، واصفا أداءه بالـ “المخزي”، ومؤكدا، ان الوكالة فقدت مصداقيتها بعد صمتها ازاء الاعتداء الإسرائيلي على المنشآت الايرانية.

وقد ألمح إلى أن الانسحاب من معاهدة حظر الانتشار النووي (NPT) ليس مستبعدا، ما يعكس استعداد إيران لاستخدام كل الخيارات لحماية مصالحها.

•محور المقاومة: من الدعم إلى الشراكة الاستراتيجية

أوضح لاريجاني أن محور المقاومة ليس أذرع دعم، بل شريك استراتيجي داخل منظومة الأمن القومي الإيراني والاقليمي.

ووصف المقاومة بأنها “تولد من رحم العدوان”، أي أنها تعبير طبيعي للدفاع عن الحقوق والوجود، وليست قرارا خارجيا.

وهذا التوصيف الدقيق يمنح المحور شرعية مستقلة ويجعل دوره مركزيا في الحسابات الإيرانية.

•العلاقات الدولية: بين الصداقة والمواجهة

ان ميزة إيران الاستراتيجية تكمن في قدرتها على التمييز بين شركائها:

– روسيا والصين: علاقات قائمة على مصالح استراتيجية طويلة الأمد، تشمل الطاقة والتجارة والأمن.

– أوروبا: محل انتقاد شديد بسبب تنفيذها لأجندات امريكية، خاصة فيما يتعلق بآلية الزناد او ما يعرف بــ (snapback).

– الجوار الإقليمي: سياسة المصالح المشتركة دون التنازل عن الثوابت الوطنية، ودعم الحلفاء.

• التحديات الداخلية: الاقتصاد معركة وجودية

لم يغفل لاريجاني الوضع الاقتصادي، معتبرا أن الأزمة المعيشية تشكل تهديدا مباشرا للأمن الوطني.

وقد أكد “أن ضمان الحد الأدنى من احتياجات المواطنين وإدارة شؤونهم المعيشية بطريقة تمكنهم من الصمود هو جزء من العدالة وأولوية قصوى للأمن الوطني”.

وإيران تدرك أن مشروعها الإقليمي لن يمر إذا لم تعالج الأزمة الاقتصادية، مما يفسر تركيز لاريجاني على الاستقرار المعيشي كـ “أولوية قصوى”.

•اخيرا:

تصريحات لاريجاني رسمت إيران كقوة:

– مرنة في إدارة الملفات.

– متوازنة بين حماية الداخل ودعم الحلفاء.

– قادرة على تحويل التحديات إلى فرص.

وهي تتعامل مع المنطقة والاقليم كلوح شطرنج تحرك فيه قطعها بوعي وحسابات دقيقة، وصراعها ليس مواجهات فورية، بل معركة طويلة الأمد تتطلب صبرا وحكمة.

ولقد قدم لاريجاني صورة “إيران القوية والواقعية”، التي تدرك تحدياتها ولا تتراجع عن ثوابتها.

وهذه رسالة دقيقة وواضحة للداخل والخارج، في وقت تواجه فيه طهران اختبارا وجوديا على أكثر من جبهة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *