الانتخابات العراقية المقبلة ليست مجرّد استحقاق دستوريّ متكرّر، بل اختبار حاسم لرئيس الوزراء محمد شياع السوداني:
فإمّا أن يحوّل تجربته الحكومية إلى مشروعٍ سياسيّ قادر على إعادة تشكيل موازين القوى، أو أن ينزلق طموحه نحو ولاية ثانية إلى فخّ التوازنات التي جاءت به، فيبتلعه صراع الأحزاب وحسابات النفوذ.
• معادلة التغيير الممكنة
قدّم السوداني خلال ولايته إشارات واضحة إلى أنّه ليس مجرّد رئيس وزراء عابر.
فقد نجح في تهدئة جبهات سياسية وأمنية متوترة، وحقق إنجازات خدمية ملموسة، وحافظ على علاقة متوازنة مع الإطار التنسيقي، مع انفتاح محسوب على قوى سياسية مستقلة وخارج الإطار.
هذه العناصر، إذا أحسن توظيفها، قد تمنحه القدرة على إعادة رسم المعادلة السياسية، ولا سيّما من خلال:
– التحالف مع المحافظين الأقوياء الذين أثبتت التجربة المحلية قدرتهم على الإدارة وكسب الشارع بالخدمات لا بالشعارات.
– تثبيت صورة رجل الدولة العمليّ الذي يتقدّم بالعمل على الخطاب، وبالإنجاز على المزايدات.
– استمالة الجمهور الصامت الباحث عن حكومة فعّالة، بعد أن أرهقته الفوضى والصراعات الطائفية والحزبية.
إن نجح السوداني في توسيع هذه القاعدة، قد يصبح صاحب مشروعٍ يتجاوز المحاصصة التقليدية، ويفرض واقعا جديدا على القوى المتنافسة.
• عقدة الولاية الثانية وخطر الارتداد
أنّ الطريق إلى ولاية ثانية محفوف بالمخاطر، فالسعي إلى التجديد يحمل في ذاته بذور التراجع، إذ:
– يخسر رئيس الوزراء حياده السياسيّ، فيتحوّل من نقطة التقاء للقوى المتنافسة إلى لاعب بين لاعبين.
– قد يتآكل دعم الإطار التنسيقي، فبعض مكوّناته قد ترى في طموحه تهديدا لفرصها ونفوذها.
– احتمال عودة التيار الصدري الغير مباشرة الى الساحة الانتخابية، بما يعيد خلط الأوراق ويحوّل المعركة من تقييم أداء إلى مواجهة جماهيرية وسياسية شاملة.
– تقلّبات الشارع العراقي، حيث قد تتحوّل أي أزمة خدمية أو سياسية إلى سلاح انتخابي ينسف رصيده الشعبي.
تلك العقدة، إذا لم تحل بذكاء ومرونة، قد تجعل السوداني أسير التوازنات ذاتها التي أفرزته، بدلا من أن يكون مهندسا لمعادلة جديدة.
• أخير: مفترق طرق بين الإصلاح وإعادة إنتاج الأزمة
العراق اليوم يقف على مفترق تاريخيّ لا يحتمل التردد، فإن استطاع السوداني تحويل تجربته الحكومية إلى مشروعٍ وطني انتخابي متماسك، فقد يفتتح مرحلة جديدة تتقدّم فيها الكفاءة على المحاصصة، والمصلحة العامة على الحسابات الفئوية.
أمّا إذا انغلق مشروعه داخل دائرة الصراع على الولاية الثانية، فستتكرّر الحلقة ذاتها التي كبّلت البلاد لسنوات، وقد تضيع فرصة نادرة لإعادة ترتيب البيت السياسي الشيعي على أسس أكثر صلابة وعقلانية.
الانتخابات المقبلة، إذن، لن تختبر السوداني وحده، بل ستختبر قدرة النظام السياسي العراقي (الشيعي) على أن يتطوّر، أو أن يعيد إنتاج أزماته حتى ينهار من الداخل.


