مع اقتراب كل استحقاق انتخابي في العراق، يتجدد سؤال وجودي يثقل كاهل المواطنين: هل نشارك في انتخابات تدار داخل منظومة محاصصاتية فاسدة، تختطف فيها الإرادة الشعبية عبر المال السياسي ومافيات الفساد؟
إنه ليس مجرّد جدل سياسي، بل معضلة أخلاقية يعيشها كل من يرفض أن يكون رقما في معادلة التزوير والفساد والخيبة.
أولا: انتخابات بلا سياسة… وديمقراطية بلا روح
1- هويات تقتل البرامج
تقارير الأمم المتحدة (2023) تشير إلى أن 78% من الحملات الانتخابية في العراق تركز على البعد الطائفي والقومي والتخويف بعودة البعث المنقرض!! والخ.. الخ.. الخ، بينما تغيب عنها السياسات والخطط التنموية والخدمية، فبعد 22 سنة من الحكم لا يزال الماء “ان وجد” فهو اسن، والشوارع والبيوت يملأها الظلام.
2- اقتصاد الأصوات القذرة
بحسب تقارير الشفافية الدولية، 62% من الناخبين أفادوا بتلقي أموالا او وعودا مباشرة مقابل أصواتهم، فيما قدّر حجم الأموال المستخدمة لشراء الذمم والاصوات بأكثر من 500 مليون دولار في الانتخابات البرلمانية الأخيرة.
3- من برلمان إلى بازار سياسي
نظام المحاصصة يفرغ البرلمان من دوره الرقابي، ليحوّله إلى ساحة لتقاسم الغنائم، فكثير من المستقلين ينتهون كأدوات في يد السلطة ذاتها التي وعدوا بمواجهتها.
ثانيا: المقاطعة.. سلاح فارغ أم موقف أخلاقي؟
رغم مشروعية المقاطعة كفعل احتجاجي، إلا أن التجربة العراقية تظهر أنها غالبا ما تأتي بنتائج عكسية، فهي التي فتحت الأبواب أمام الأسوأ منذ اول انتخابات جرت بالعراق بعد زوال النظام، وأعطت شرعية لحيتان الفساد.
كما ان المقاطعة وظَّفت بشكل بشع لإثبات “عدم نضج الشعب”، مما منح النخبة الحاكمة الفاسدة مبررا للاستمرار والطغيان.
ثالثا: المشاركة كفعل مقاوم
يمكن للمشاركة في الانتخابات ان تكون فعلا مقاوما وفعالا عبر:
1- اختيار الأقل سوءا، لا الأفضل
منهج “الانتخاب السلبي” يركز على استبعاد الفاسدين أولا، لا انتظار المنقذين.
2- مراقبة شعبية صارمة
تشكيل فرق محلية لمراقبة العملية الانتخابية وتوثيق الانتهاكات ونشرها لحظة بلحظة.
3- إبطال الصوت كاحتجاج واع
عندما تغيب الثقة، يمكن أن تكون ورقة الاقتراع عبر المشاركة وابطال الصوت، وسيلة للاعتراض، لا للتزكية.
رابعا: بعد الفوز.. تبدأ المحاسبة
1- تأسيس “خلايا مساءلة” شعبية في كل مناطق العراق ودوائره الانتخابية لمراقبة النواب بعد فوزهم.
2- إنشاء منصات الكترونية شعبية معتبرة وعلى جميع مواقع التواصل الاجتماعي لرصد الأداء النيابي وتوثيق المخالفات وفضح الفاسدين.
3- تشجيع مراكز الدراسات والمنصات الإعلامية المستقلة لإعداد تقارير فصلية تربط الدعم الشعبي بالأداء الواقعي للنواب لا الخطابات الفارغة والسمجة.
ولان المعركة ليست بين مشاركة ومقاطعة، بل بين وعي واستسلام، لن نمنح دولة عادلة على طبق من الصمت، بل لابد ان ننتزعها عبر أدوات المقاومة المدنية الذكية، لهذا سأشارك، لا لأنني أؤمن بنزاهة النظام، بل لأني أرفض أن أترك الساحة خالية للفاسدين شيعة وكردا وسنة.


