ماذا يعني تغيير سعر الصرف لمدننا؟
صباح الأربعاء، 7 تشرين الأول 2026، دخل قرار مجلس الوزراء رقم (544) حيز التنفيذ. بموجبه صار البنك المركزي يشتري الدولار من وزارة المالية بـ1500 دينار، ويبيعه للمصارف بـ1510، وللمواطن بـ1520 ديناراً. وقبل ذلك بيوم واحد فقط كان السعر الرسمي 1300 دينار، وهو السعر المعمول به منذ شباط 2023.
القرار لم يأتِ من فراغ. فطوال 2026 كانت السوق الموازية تسبق السعر الرسمي بفارق واسع. تقارير الجهاز المركزي للإحصاء تضع متوسط سعر الدولار في بغداد عند نحو 1514 ديناراً في شباط، ونحو 1554 في آذار. وفي أيلول عزا البنك المركزي ارتفاع الدولار في السوق المحلية إلى المضاربات والتوقعات واستغلال الظروف الجيوسياسية، مؤكداً كفاية احتياطياته. ثم جاء القرار ليقرّب السعر الرسمي من سعر الشارع.
سيتحدث كثيرون في الأيام المقبلة عن أسعار الطحين والدواء والسيارات. لكن السؤال الذي لا يطرحه أحد تقريباً هو: كيف سيغيّر هذا القرار شكل المدن التي نسكنها؟ والجواب نجده في ما حدث بعد آخر صدمة مشابهة، في كانون الأول 2020. يومها رسم الدولار خريطة عمرانية جديدة للعراق، ونحن اليوم على أعتاب فصل جديد منها.
كيف يصلنا قرار البنك المركزي
قد يبدو سعر الصرف شأناً يخص المصرفيين والتجار وحدهم. لكنه في بلد يعيش على النفط، ويتقاضى فيه ملايين الموظفين رواتبهم بالدينار، يتسلل إلى كل تفصيلة في حياة المدينة.
فحين يرتفع الدولار، يرتفع معه سعر كيس الإسمنت وطن الحديد وسلك الكهرباء، لأن معظمها مستورد. وفي الوقت نفسه يتآكل راتب الموظف الثابت، بينما يرى صاحب المدخرات أن أفضل طريقة لحمايتها هي تحويلها إلى قطعة أرض. أما الحكومة، فتجد في جيبها دنانير أكثر من بيع النفط، فتطلق مشاريع طرق وجسور تفتح مناطق جديدة للبناء.
ثلاث صدمات في ست سنوات
قرار تشرين الأول 2026 هو التعديل الثالث الكبير لسعر الصرف خلال ست سنوات. الأول جاء في كانون الأول 2020، حين واجهت الحكومة أزمة سيولة خانقة بعد انهيار أسعار النفط وجائحة كورونا، فرفع البنك المركزي سعر الدولار من نحو 1182 ديناراً إلى 1450. والثاني في شباط 2023، حين تراجع جزئياً وأعاد السعر إلى 1300 دينار. والثالث اليوم: 1500 دينار، أي أعلى من سعر 2020 نفسه.
لكن السعر الرسمي لم يكن يوماً كل القصة. فبعد تعديل 2023، ظل الدولار يُباع في السوق الموازية بسعر أعلى بكثير، مع تشديد القيود على الحوالات الخارجية. وفي 2026 اتسعت الفجوة مجدداً، حتى سجل الدولار أرقاماً قياسية في السوق الموازية تجاوزت 1510 دنانير، بينما كانت الموازنة لا تزال مبنية على 1300.
هذه الفجوة المتكررة بعثت رسالة واحدة إلى كل من يملك مالاً: الدينار ليس مكاناً آمناً. وفي الفترة نفسها ضخت الموازنة الثلاثية (2023–2025) أموالاً غير مسبوقة في الرواتب والمشاريع. سيولة كبيرة في الجيوب، وثقة ضعيفة بالعملة. والنتيجة؟ طابور طويل أمام مكاتب الدلالية، وهو طابور مرشح للطول من جديد بعد قرار هذا الشهر.
حين صار العقار مصرفاً
في المقاهي ودواوين العشائر وجلسات العائلة، تتكرر عبارة واحدة: «الأرض لا تخسر». عبارة بسيطة، لكنها تختصر فلسفة اقتصادية كاملة تحكم سوق العقار العراقي اليوم.
فالعراقي الذي يملك مدخرات لا يجد أمامه خيارات كثيرة. المصارف لا تحظى بثقة واسعة، والبورصة محدودة ولا يعرفها معظم الناس. يبقى أمامه ثلاثة خيارات: أن يكدّس الدولارات في البيت، أو يشتري الذهب، أو يشتري أرضاً. والأرض هي الأكثر إغراءً، فهي ملموسة، ولا تُفرض عليها ضريبة حقيقية إن بقيت فارغة، وأسعارها تُحسب بالدولار عملياً حتى لو كُتب العقد بالدينار.
هذا المنطق صنع مفارقتين صارختين:
أسعار لا علاقة لها بالرواتب: بلغ سعر المتر في أحياء مثل المنصور والجادرية والكرادة مستويات تنافس عواصم خليجية أغنى بكثير، بينما لا يكفي راتب الموظف المتوسط لسنة كاملة لشراء بضعة أمتار.
أزمة سكن وسط غابة من الأبراج: تُشيَّد المجمعات بوتيرة سريعة، لكن كثيراً من شققها يُشترى للادخار ويبقى مغلقاً. في المقابل، تقدّر وزارة التخطيط حاجة البلاد بما بين 2.5 و3 ملايين وحدة سكنية تقريباً.
ببساطة: لم نعد نبني لنسكن، بل لنخبئ أموالنا. وهي ظاهرة يسميها الاقتصاديون «تسليع السكن»، لكنها في العراق تجري بالنقد في الحقائب، لا بالقروض العقارية كما في بلدان أخرى.
ومع قرار تشرين الأول 2026، يبدو المشهد مرشحاً للتكرار. فمن ادّخر بالدينار خسر مرة أخرى جزءاً من قيمة مدخراته، ومن ادّخر بالأرض خرج رابحاً. وهذا بالضبط ما يرسّخ قناعة «الأرض لا تخسر» لدى جيل جديد من المدخرين.
بيت الحلم يصغر عاماً بعد عام
قبل سنوات قليلة، كان حلم الأسرة العراقية بيتاً مستقلاً بحديقة صغيرة على قطعة تقارب 200 أو 300 متر. اليوم، صار كثيرون يكتفون بقطعة لا تتجاوز 100 متر، وأحياناً 50 متراً.
السبب واضح: كل ارتفاع في الدولار يعني حديداً أغلى وأسلاكاً أغلى وأدوات صحية أغلى. حتى الطابوق والإسمنت المحليان يتأثران بكلفة الطاقة وقطع الغيار المستوردة. فتلجأ الأسر إلى الحلول الممكنة: تقسيم البيت بين الأبناء، أو بناء طابق إضافي فوق أساسات لم تُصمم له، أو البناء على مراحل كلما توفر المال.
وعلى الضفة الأخرى، يتجه المستثمرون إلى المجمعات السكنية المسوّرة التي تُسعَّر بالدولار، وتستهدف شريحة صغيرة قادرة على الدفع.
ثلاث مدن داخل المدينة الواحدة
إذا رسمنا خريطة بغداد اليوم بحسب أسعار الأرض ونوع البناء، فلن نرى مدينة واحدة، بل ثلاث مدن متجاورة لا تكاد تلتقي.
المدينة الأولى: المركز الذهبي. هنا تتركز الدولارات. البيوت القديمة في الأحياء الراقية تتحول إلى مطاعم ومقاهٍ ومكاتب، والمباني التراثية تُهدم لصالح بنايات أعلى ربحاً. يرتفع السعر، ويرحل السكان، ويزداد الزحام المروري يوماً بعد يوم.
المدينة الثانية: جزر المجمعات. على الطرق الرئيسية تنتشر مجمعات سكنية مسوّرة، فيها حراسة وكهرباء مستقرة وخدمات داخل الأسوار، وتُدفع أثمانها بالدولار. هي جزر منفصلة عن محيطها، تكرّس الفوارق بين السكان بدل أن تقلّصها. ومدينة بسماية الجديدة جنوب شرق بغداد مثال على محاولة رسمية لتخفيف الضغط عن المركز، لكنها بقيت استثناءً مخططاً وسط بحر من النمو العشوائي.
المدينة الثالثة: الأطراف الزاحفة. إلى هنا تنتقل الأسر التي طردتها الأسعار من المركز. تُقطَّع البساتين والأراضي الزراعية بعقود غير رسمية، وتُبنى البيوت قبل أن يصل إليها الماء أو المجاري. وتشير مسوحات وزارة التخطيط إلى آلاف التجمعات العشوائية التي يسكنها ملايين العراقيين في أنحاء البلاد.
والمفارقة أن المدن الثلاث وُلدت من الرحم نفسه. فالدولار الذي يرفع سعر المتر في المنصور هو ذاته الذي يدفع أسرة موظف بسيط إلى قطعة صغيرة في بستان على حافة المدينة.
هل الدولار وحده المتهم؟
من الإنصاف القول إن سعر الصرف ليس المسؤول الوحيد. فعدد سكان العراق تجاوز 45 مليون نسمة بحسب تعداد 2024، والهجرة من الريف إلى المدن مستمرة منذ عقود. هذه ضغوط كانت ستقع في كل الأحوال.
لكن سياسة الصرف تعمل كمكبّر للصوت: تضخّم هذه الضغوط وتوجّهها نحو أماكن بعينها. والسبب الأعمق فراغ في القوانين والمؤسسات. فلا ضريبة حقيقية على الأراضي المتروكة فارغة، ولا قروض سكنية كافية، والتصاميم الأساسية للمدن قديمة ولا تُحدَّث بالسرعة اللازمة.
ما الذي يمكن فعله؟
في التخطيط الحضري هناك حلول عملية، أبرزها:
ضريبة على الأرض الفارغة داخل حدود البلديات، تزداد كلما طالت مدة تركها بلا بناء، حتى لا تبقى الأرض «حصالة» للادخار.
بدائل ادخار آمنة مرتبطة بالسكن، مثل صناديق الاستثمار العقاري والسندات السكنية، تحوّل المدخرات إلى بناء فعلي.
التخطيط قبل التبليط: أي طريق أو جسر جديد يسبقه مخطط واضح لاستعمالات الأرض حوله، مع استرداد جزء من الارتفاع في قيمة الأراضي المجاورة لصالح الخزينة.
توزيع قطع مخدومة على الأطراف بمساحات صغيرة مقننة وبنية تحتية جاهزة، بدل ترك الساحة للتجريف والتفريز العشوائي.
مرصد وطني للعمران ينشر دورياً بيانات أسعار الأراضي ورخص البناء ونسب الشقق المغلقة، مستفيداً من الصور الفضائية.
مقعد للمخطط على طاولة القرار النقدي: تنسيق بين البنك المركزي ووزارة التخطيط وهيئة الاستثمار وأمانة بغداد، لتقييم الأثر العمراني لأي قرار نقدي كبير قبل اتخاذه.
ماذا نتوقع في الأشهر المقبلة؟
إذا كانت تجربة 2020 مؤشراً، فهناك ثلاثة أمور تستحق المتابعة:
أسعار الأراضي بالدينار: سترتفع على الأرجح بما يعادل فرق الصرف على الأقل، لأن السوق تسعّر بالدولار فعلياً.
البناء الذاتي: كلفة المواد المستوردة ستصعد، لكن تعليق آلية «الاستيفاء المسبق» للرسوم الجمركية، الذي صدر مع القرار نفسه، قد يخفف جزءاً من الضغط على المستوردين.
الموظف والمتقاعد: رواتب ثابتة بالدينار أمام أسعار أعلى، ما يعني موجة جديدة محتملة نحو الأطراف والسكن المقسّم.
الخريطة تُرسم في مكان آخر
لم يعد ممكناً فهم المدينة العراقية من خلال التصاميم الأساسية وحدها. فالخريطة الحقيقية تُرسم اليوم في قرارات مجلس الوزراء ونشرات البنك المركزي وشاشات مكاتب الصيرفة، بقدر ما تُرسم على طاولات المهندسين والمخططين.
في 2020 تركنا الدولار يرسم الخريطة وحده، فصارت الأرض عملة بديلة والبيوت خزائن. وقرار تشرين الأول 2026 يمنحنا فرصة نادرة لأن لّا نكرر الخطأ: أن تجلس السياسة النقدية والتخطيط العمراني هذه المرة إلى الطاولة نفسها، قبل أن ترسم الأسعار خريطة أخرى لا يختارها أحد.


