بين رماد 11 سبتمبر ونيران 7 أكتوبر طبول الحرب تدق من جديد

بين رماد 11 سبتمبر ونيران 7 أكتوبر طبول الحرب تدق من جديد
المنطقة تقف على حافة حرب واسعة: إسرائيل تتأهب لضربة عميقة لإيران، وطهران تعدّ رداً صاروخياً-سبرانياً مع فتح جبهات لبنان واليمن والعراق. بين التصعيد أو العودة لمفاوضات مشروطة، يُحسم المشهد بمن يجرؤ على توجيه الضربة الأولى....

المقدمة

منذ أن غيّر رماد الحادي عشر من سبتمبر معادلات القوة في العالم ظل الشرق الأوسط ساحة اختبار للنار والدم. لكن نيران السابع من أكتوبر لم تكن مجرد محطة في الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي بل جرس إنذار استراتيجي فتح الطريق نحو مواجهة إقليمية أشمل. اليوم تتسارع الإيقاعات العسكرية لتضع المنطقة أمام احتمالات حرب واسعة حيث تستعد إسرائيل – بدعم غربي – لتوجيه ضربة محتملة إلى العمق الإيراني تستهدف منشآته النووية وبنيته الدفاعية عبر بنك أهداف مكتمل يشمل منشآت عسكرية وصاروخية في إيران والعراق مع احتمال استخدام قنابل كهرومغناطيسية وهجمات سيبرانية لتعطيل الدفاعات الجوية.

في المقابل تتهيأ طهران وحلفاؤها لردٍّ صاروخي وباليستي واسع النطاق مدعوم بأسراب المسيّرات الهجومية وشبكات المقاومة الإقليمية الممتدة من لبنان إلى اليمن ما قد يفتح جبهات متزامنة تعصف بأمن الملاحة والطاقة وتدفع المنطقة كلها إلى حافة الانفجار.

لا شك أن الصراع الإيراني – الإسرائيلي لم يتوقف قط وأن المرحلة الماضية لم تكن سوى هدنة قصيرة لالتقاط الأنفاس وإعادة الاستعداد لجولة أكثر ضراوة. كلا الطرفين عمل على إعادة بناء قدراته العسكرية والتقنية والاستخبارية وكل منهما يدرك أن الجولة المقبلة ستكون أكثر حسماً. إيران نهضت بسرعة غير متوقعة لتضميد جراحها وإعادة تنظيم بنيتها الدفاعية بعد الضربات الأمريكية – البريطانية – الإسرائيلية بينما أعادت تل أبيب حساباتها بعد أن وجدت نفسها مضطرة لقبول وقف إطلاق النار نتيجة الكثافة النارية الصاروخية الإيرانية التي اخترقت دفاعاتها. ومع ذلك فإن جميع المؤشرات تدل على أن نهاية الهدنة واندلاع المواجهة الجديدة باتا وشيكين وأن طبول الحرب تدق هذه المرة بصوت أعلى وأخطر.

*الاستعدادات الإيرانية

بخبرتها الطويلة في مواجهة خصوم كبار انطلقت إيران لمعالجة الثغرات التي ظهرت خلال حرب الـ12 يوماً عبر سلسلة إجراءات جوهرية:

  • إعادة تسليح الدفاعات الجوية وتصنيع منظومات محلية جديدة ملائمة لطبيعة التهديدات.
  • تطوير ترسانتها الصاروخية عملت إيران على تطوير ترسانتها الصاروخية بمختلف أنواعها الباليستية والكروز والفرط صوتية بحيث أصبحت قادرة على بلوغ أهداف استراتيجية داخل العمق الإسرائيلي بل وتمتد مدياتها لتشمل أجزاء واسعة من أوروبا. وآخر ما أعلنت عنه هو صاروخ “آخر الزمان” وهو صاروخ فرط صوتي بعيد المدى (يصل مداه إلى نحو 3000 كم) مزود برؤوس حربية متعددة ما يمنحه قدرة أكبر على اختراق منظومات الدفاع الصاروخي المتقدمة.
  • إعادة بناء منصات الإطلاق بطرق حديثة أكثر قدرة على الحركة و المناورة و التمويه والاختفاء.
  • إعادة نشر قواعد الصواريخ في مناطق وجزر ذات تضاريس معقدة تجعل معالجتها جواً أكثر صعوبة.
  • تهيئة آلاف الصواريخ برؤوس حربية شديدة الانفجار لاستهداف قواعد أمريكية وبريطانية وإسرائيلية.
  • نشر القوات البحرية لضمان السيطرة على مضيق هرمز وتهديد الملاحة في الخليج العربي والبحر العربي.
  • إعادة تنظيم الحرس الثوري والجيش مع الأجهزة الأمنية لمواجهة أي عمليات إنزال أو اضطرابات داخلية.
  • إنشاء مجلس الدفاع كقيادة مركزية موحدة تضمن التنسيق بين الجيش والحرس الثوري والأمن.
  • تفعيل وحدة الساحات مع حزب الله في لبنان والحوثيين في اليمن والفصائل في العراق.
  • توسيع بنك الأهداف ليشمل هذه المرة العمق العربي أيضاً.
  • مراجعة العلاقات الدولية مع روسيا وأذربيجان بعد فضائح التعاون مع إسرائيل خلال الحرب.

*الجبهة اللبنانية

  • حزب الله تلقى ضربات قاسية أفقدته نخبة من مقاتليه وقادته.
  • تدمير نحو 90% من مخازن صواريخه وسلاحه بفعل القصف الجوي الإسرائيلي.
  • ضغوط الدولة اللبنانية لسحب سلاحه وتجريده من مصادر قوته الاقتصادية والعسكرية.
  • تهديدات سورية مباشرة في حال رفضه الانصياع لقرار الدولة .

*الحوثيون

  • تعرضوا لضربات مدمرة استهدفت البنية التحتية والموانئ ومصادر الطاقة.
  • اغتيال معظم قياداتهم العسكرية والسياسية البارزة من ضمنهم رئيس الحكومة و وزير الدفاع وعشرات اخرين.
  • رغم الخسائر ما زالوا يمثلون رقماً صعباً في معادلة باب المندب ويحتفظون بقدرة على ضرب أهداف إسرائيلية وإقليمية.

*العراق

  • يواجه العراق أزمات سياسية متصاعدة تُضعف أمنه القومي لاسيما بعد الانسحاب الأمريكي المفاجئ الذي خلّف فراغاً استراتيجياً.
  • انفلات السلاح وانتشاره خارج الأطر الرسمية يمثل تهديداً مباشراً للاستقرار الداخلي ويقوّض سلطة الدولة.
  • الانقسامات بين الفصائل المسلحة تُعرقل فعالية أي تنسيق ضمن إطار ما يُعرف بـ”وحدة الساحات” مما يقلل من قدرة العراق على ضبط إيقاع الأزمات الإقليمية.
  • استمرار وجود فصائل خارج السيطرة المباشرة للحكومة يجعلها مصدر تهديد فعّال ضد القواعد والمصالح الأمريكية داخل العراق.
  • الاقتصاد العراقي يبقى عرضة لهزات خطيرة في حال فرض عقوبات جديدة أو تفعيل “آلية الزناد” الخاصة بالاتفاق النووي الإيراني بما يربطه بالأزمة الإقليمية بشكل مباشر.
  • هناك احتمال مرتفع لتعرض العراق لضربات إسرائيلية مركّزة على أهداف نوعية إضافة إلى احتمالية اغتيال شخصيات سياسية بارزة في حال اندلاع مواجهة واسعة مع إيران أو تصاعد الصراع الإقليمي.

*الموقف الصيني

  • ما يزال باهتاً وغير مؤثر.
  • صفقات التسليح لم تُنفذ ومنها الطائرات ومنظومات الدفاع الجوي التي تأجل تسليمها خمس سنوات إضافية.
  • بكين تتجنب الانخراط في صراع مباشر مع واشنطن وأوروبا.
  • تسعى الصين دائما الى تغذية اي صراع من أجل أشغال أمريكا عن قضاياها الداخلية.

*الموقف الروسي

  • موسكو مثقلة بحرب أوكرانيا وتداعياتها الاقتصادية والعسكرية.
  • موقفها تجاه إيران متذبذب وغير مستقر.
  • تقارير عن تعاون روسي–إسرائيلي عبر تسليم شفرات إلكترونية لأنظمة الدفاع الإيرانية.
  • موافقة موسكو على ممر زنغزور وفتح الباب لتواجد أمريكي طويل الأمد في القوقاز.
  • التغاضي عن دور أذربيجان في تسهيل ضربات جوية إسرائيلية ضد أهداف إيرانية.

*الاستعدادات الأمريكية–البريطانية–الأوروبية

  • تفعيل “آلية الزناد” لوضع إيران تحت البند السابع.
  • تزويد إسرائيل بأسلحة متقدمة: قنابل نوعية صواريخ حديثة للقبة الحديدية ومقلاع داوود وطائرات تزويد بالوقود جواً.
  • نشر قاذفات استراتيجية وحاملات طائرات وسفن حربية في الخليج.
  • تكثيف الاستطلاع والمسح الإشعاعي لتحديد أهداف نووية جديدة داخل إيران.

*الاستعدادات الإسرائيلية

في ضوء المواجهة المحتملة مع إيران وتداعيات الضربة الأخيرة شرعت إسرائيل في سلسلة من الإجراءات الاستباقية الرامية إلى إعادة بناء قدراتها الدفاعية والهجومية ويمكن تلخيصها في المحاور الآتية:

  • إعادة تنظيم الدفاعات الجوية والقبة الحديدية بعد أن أظهرت المنظومات الدفاعية قصورًا واضحًا في اعتراض الصواريخ الإيرانية تعمل تل أبيب على إعادة هيكلة منظومات الدفاع الجوي وتطوير برمجيات القيادة والسيطرة لزيادة فعالية القبة الحديدية ودمجها بشكل أوسع مع أنظمة “مقلاع داوود” و”حيتس”.
  • إعادة تدريب وتسليح سلاح الجو يشكل سلاح الجو الإسرائيلي العمود الفقري للقدرة الهجومية لذا بدأت تل أبيب بإعادة تدريب الطيارين على سيناريوهات حرب طويلة المدى وتعزيز التسليح بذخائر دقيقة التوجيه وصواريخ بعيدة المدى قادرة على اختراق العمق الإيراني.
  • استكمال بنك الأهداف داخل إيران والعراق تعمل إسرائيل على تحديث بنك أهدافها الاستراتيجي عبر جمع معلومات استخبارية دقيقة عن المنشآت النووية والعسكرية والقيادات الميدانية بما في ذلك شبكات الدعم اللوجستي داخل العراق التي تمثل نقاط إسناد للنفوذ الإيراني.
  • الحصول على قنابل كهرومغناطيسية متطورة تسعى تل أبيب إلى تزويد ترسانتها بقدرات حرب غير تقليدية مثل القنابل الكهرومغناطيسية (EMP) عالية التأثير والمحدودة النطاق بغية تعطيل منظومات الدفاع الجوي والصاروخي الإيرانية في الساعات الأولى لأي مواجهة واسعة.
  • تفعيل نشاطات الموساد في إيران والعراق يضاعف جهاز الموساد جهوده في الداخل الإيراني والعراقي عبر تجنيد مصادر جديدة وتنفيذ عمليات سرية لتهيئة مسرح العمليات سواء عبر اغتيال قيادات بارزة أو تخريب منشآت حيوية أو شن هجمات سيبرانية تمهيدية.

*شكل الضربة المقبلة

كلا الطرفين أكمل استعداداته والسباق قائم حول “من يبدأ أولاً”.

*السيناريو الإسرائيلي

  • مرحلة الاستحضارات والتهيئة (ما قبل الضربة)تكثيف الجهد الاستخباري بمختلف أنواعه (بشري–إشاري–فضائي–جوي) ونشر منصات استطلاع بعيدة المدى إلى جانب تفعيل شبكات الموساد داخل إيران للتمهيد للعمليات الداخلية وإرباك منظومة القيادة عبر الخداع والاختراق.
  • الصدمة الافتتاحية متعددة المحاور شن هجوم سيبراني واسع متزامن مع عمليات حرب إلكترونية (تشويش على الاتصالات والملاحة GPS) يرافقه قصف جوي وصاروخي دقيق يستهدف مراكز القيادة والسيطرة مع تنفيذ عمليات اغتيال مركزة لشخصيات سياسية وعسكرية وعلمية بارزة قد تطال رئيس الجمهورية والمرشد الأعلى.
  • توسيع الهجمات السيبرانية استهداف واسع للبنية التحتية المدنية والعسكرية بما في ذلك التسبب بحرائق وانفجارات داخل منشآت حساسة لخلق حالة من الفوضى الشاملة عبر كامل الجغرافيا الإيرانية.
  • شلّ القدرات الجوية تدمير المطارات ومنظومات الدفاع الجوي المتبقية بهدف تأمين حرية الحركة الجوية الإسرائيلية وضمان التفوق في مسرح العمليات.
  • الضربات الكهرومغناطيسية توجيه نبضات كهرومغناطيسية عالية الجهد لتعطيل منظومات القيادة والسيطرة الصاروخية وإحباط أي محاولة إيرانية لتوجيه ضربة انتقامية مبكرة.
  • الحرب النفسية والداخلية العمل على إثارة الفوضى الداخلية تعميق الأزمة الاقتصادية وزعزعة ثقة الشارع الإيراني بالقيادة في مسعى لتفكيك الجبهة الداخلية.
  • الخيار النووي المحدود إبقاء احتمال توجيه ضربة نووية تكتيكية محدودة مطروحاً في حال تعرّض إسرائيل لضربات إيرانية انتقامية موجعة.
  • الساحات الإقليمية (العراق) تنفيذ ضربات دقيقة ضد مقرات الفصائل المسلحة داخل العراق لإضعاف قدراتها ومنعها من دعم إيران أو فتح جبهات إضافية ضد إسرائيل.

*السيناريو الإيراني

  • الصدمة الافتتاحية (الهجوم السيبراني) تنفيذ هجوم سيبراني مفاجئ يستهدف تعطيل منظومة القبة الحديدية وشبكة القيادة والسيطرة الإسرائيلية لإضعاف القدرة الدفاعية وفتح المجال أمام الموجة الصاروخية الأولى.
  • الضربة الصاروخية المكثفة إطلاق وابل من الصواريخ الباليستية والكروز والفرط صوتية نحو أهداف استراتيجية داخل العمق الإسرائيلي مع التركيز على القواعد العسكرية والمراكز الحيوية.
  • شلّ القوة الجوية الإسرائيلية محاولة تدمير القواعد الجوية في الضربة الأولى لحرمان إسرائيل من التفوق الجوي وتقليص قدرتها على الرد الفوري.
  • استهداف استراتيجي توجيه ضربة مباشرة إلى مفاعل ديمونا النووي لخلق صدمة استراتيجية وردع إسرائيل عن التمادي في التصعيد.
  • شلّ البنية التحتية استهداف محطات الطاقة شبكات المياه والمراكز الاقتصادية الحيوية داخل إسرائيل لزيادة الضغط الداخلي وإرباك المجتمع الإسرائيلي.
  • تفعيل الجبهات الإقليمية فتح جبهات الدعم عبر حزب الله في لبنان الحوثيين في اليمن والفصائل المسلحة في العراق لإشغال إسرائيل على أكثر من محور وتشتيت قدراتها.
  • الحرب البحرية إغلاق مضيق هرمز وباب المندب وتهديد الملاحة الدولية لإحداث ضغط عالمي على القوى الكبرى للتدخل ووقف العمليات.
  • استهداف القواعد الأمريكية في حال تصاعد الموقف وتدخل الولايات المتحدة بشكل مباشر يتم توجيه ضربات صاروخية على قواعدها المنتشرة في العراق والخليج.
  • الخيار الاستراتيجي الحاسم الاحتفاظ باستخدام صاروخ “آخر الزمان” فرط الصوتي بعيد المدى كخيار استراتيجي نهائي وحاسم في حال تطور الصراع إلى مواجهة وجودية.

*الخاتمة

تقف المنطقة أمام لحظة فارقة بعد الضربة المزدوجة التي أصابت العمق الإيراني عبر استهداف بنيتها النووية واغتيال شخصيات قيادية بارزة وما نتج عنها من فقدان السيطرة على نحو 400 كغم من اليورانيوم عالي التخصيب تحت الأنقاض. وفي الوقت ذاته تتزايد الضغوط الدولية من خلال العقوبات وآلية “سناب باك” بينما تطرح أوروبا خيار العودة إلى المفاوضات لكن بشروط أكثر صرامة.

إيران بدورها تردّ بالمطالبة بضمانات أمنية وتعويضات واعتراف بحقها في التخصيب فيما تبقى خياراتها متأرجحة بين مسارين متناقضين:

  • التصعيد عبر الانسحاب من معاهدة حظر الانتشار النووي وتفعيل جبهات حلفائها الإقليميين ورفع سقف المواجهة باستخدام قدراتها الصاروخية الاستراتيجية.
  • المساومة بقبول العودة إلى طاولة المفاوضات مع إبقاء باب التصعيد مفتوحاً كورقة ضغط ضمن مهلة أوروبية محدودة.

إن المرحلة المقبلة محفوفة بمخاطر غير مسبوقة حيث قد تحدد الضربة الأولى – سواء جاءت من تل أبيب أو طهران – ليس فقط مسار الحرب المقبلة بل شكل التوازنات الإقليمية والدولية لعقد كامل قادم.

ويبقى السؤال الأكثر إلحاحاً:

من يمتلك جرأة المبادرة ليكون صاحب الضربة الأولى؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *