الحشد الشعبي في مرمى إسرائيل: استراتيجية تقويض العراق كقوة إقليمية

الحشد الشعبي في مرمى إسرائيل: استراتيجية تقويض العراق كقوة إقليمية
تُظهر الدراسة أن إسرائيل انتقلت من ضربات عسكرية علنية قبل 2003 إلى عمليات سرية بعده، مركّزة على الحشد الشعبي كقوة مهددة لمصالحها. ورغم نجاحها التكتيكي، يبقى الحشد فاعلًا، ما يستدعي من العراق تعزيز الدفاع الجوي ومأسسة الحشد....

المقدمة:

يُعَدّ العراق أحد الركائز الجيوسياسية والعسكرية في الشرق الأوسط، بما يمتلكه من موقع استراتيجي وثروات طبيعية وموارد بشرية. لذلك ظلّ على مدى عقود هدفًا للسياسات الإسرائيلية الرامية إلى تقويض أي إمكانية لعودة العراق كقوة إقليمية مهيمنة. وإذا كانت إسرائيل قبل 2003 قد ركّزت على منع العراق من امتلاك قدرات نووية أو تسليحية نوعية، فإن المرحلة التي أعقبت سقوط النظام السابق اتسمت بنقل الصراع إلى مستوى جديد يقوم على الضربات غير المعلنة، والعمل الاستخباري، والحرب السيبرانية، مع تركيز خاص على إضعاف الحشد الشعبي باعتباره القوة العراقية الناشئة الأكثر تهديدًا لمصالح إسرائيل الاستراتيجية.

وهكذا انتقلت إسرائيل من استهداف القدرات النووية إلى تفكيك البنية الردعية العراقية عبر أدوات غير تقليدية، أبرزها استهداف الحشد الشعبي.

أولًا: ما قبل 2003 – هل كان العراق تهديدًا وجوديًا لإسرائيل؟

– قصف مفاعل تموز (1981): نفّذت إسرائيل عملية “أوبرا” لتدمير المفاعل النووي قرب بغداد، في محاولة مبكرة لمنع العراق من دخول النادي النووي.

– حرب الخليج الثانية (1991): تعرّضت تل أبيب لصواريخ سكود عراقية، وردّت بتكثيف التعاون الاستخباري مع الولايات المتحدة لضرب القدرات الصاروخية العراقية.

– التحريض الدولي: مارست إسرائيل ضغوطًا دبلوماسية لتصوير العراق كتهديد مستمر للأمن العالمي، مما مهّد لتهميشه دوليًا.

هذه الأحداث شكّلت الخلفية التمهيدية التي سبقت مرحلة ما بعد 2003، حيث تغيّر شكل المواجهة من ضربات مباشرة إلى إدارة حرب طويلة منخفضة الوتيرة.

ثانيًا: العراق بعد 2003 – هل تغيّر ميزان القوى الإقليمي؟

أدّى سقوط النظام السابق إلى تفكك المؤسسة العسكرية، وبروز فواعل مسلحة جديدة. وفي عام 2014 نشأ الحشد الشعبي استجابةً لفتوى الدفاع الكفائي ضد تنظيم داعش، ليصبح لاحقًا قوة نظامية بموجب قانون هيئة الحشد الشعبي (رقم 40 لسنة 2016)، ملتحقًا رسميًا بالقوات المسلحة العراقية.

هذا التحوّل أثار قلقًا متزايدًا لدى إسرائيل التي رأت في الحشد امتدادًا للنفوذ الإيراني، ومكوّنًا قادرًا على تهديد مصالحها عبر العراق وسوريا وصولًا إلى لبنان.

ثالثًا: هل يُنظر إلى الحشد الشعبي كجزء من شبكة إقليمية؟

تعتبر إسرائيل أن الحشد الشعبي ليس مجرد قوة محلية عراقية، بل حلقة في “شبكة إقليمية” تربط إيران بسوريا وحزب الله. من هنا برزت استراتيجيتها في:

– منع نقل الأسلحة الدقيقة عبر الأراضي العراقية نحو سوريا ولبنان.

– عرقلة ترسّخ الممر البري الإيراني، خاصة عند عقدة القائم–البوكمال.

– إضعاف قدرات الردع العراقي عبر ضرب مخازن الصواريخ والطائرات المسيّرة.

رابعًا: عام 2019 – هل بلغت المواجهة ذروتها؟

شهد عام 2019 سلسلة انفجارات وضربات بطائرات مسيّرة استهدفت قواعد ومخازن أسلحة للحشد في بغداد، صلاح الدين، وديالى، بالإضافة إلى هجومين قرب القائم على الحدود العراقية–السورية.

– الاتهامات الرسمية: وجّه قادة الحشد والحكومة العراقية أصابع الاتهام لإسرائيل، فيما أكّد مسؤولون أمريكيون لوسائل إعلام ضلوع إسرائيل في بعضها.

– الإجراءات العراقية: ردّت بغداد بقرارات حاسمة منها حظر الطلعات الجوية غير المصرح بها، وتشديد ضبط الأجواء، وإعادة تنظيم تخزين الأسلحة لتقليل المخاطر.

هذه الضربات شكّلت أوضح تجلٍّ لتوسّع ما يُعرف إسرائيليًا بـ”المعركة بين الحروب” إلى العمق العراقي.

خامسًا: ما هي أدوات الاستهداف الحديثة؟

– الطائرات المسيّرة الدقيقة: استُخدمت لضرب مواقع الحشد مع تقليل البصمة العسكرية.

– الحرب السيبرانية: محاولات لاختراق أنظمة عراقية في مجال الطاقة والأمن.

– الإعلام والضغط النفسي: عبر تصوير الحشد كقوة غير منضبطة لزعزعة الثقة الشعبية به.

سادسًا: كيف انعكست الضربات على الداخل العراقي والإقليم؟

– داخليًا: عزّزت الضربات من المطالبات بدمج الحشد إداريًا وعقائديًا داخل المنظومة الرسمية، مع مشاريع قوانين إضافية لتنظيم الخدمة والتقاعد.

– إقليميًا: أظهرت أن العراق جزء من ساحة الصراع غير المباشر بين إسرائيل وإيران، مما يضعه في معادلة توازن حساسة.

سابعًا: قراءة استراتيجية – هل نجحت إسرائيل في تقويض الحشد؟

– بالنسبة لإسرائيل: الضربات منحتها كبحًا تكتيكيًا لمخاطر آنية، لكنها لم تُنهِ قدرة الحشد على إعادة التموضع والاستمرار.

– بالنسبة للعراق: مثّلت تحديًا للسيادة، ورسّخت الحاجة إلى تحديث الدفاع الجوي، ومأسسة الحشد بشكل أكبر تحت سلطة الدولة.

ثامنًا: السيناريوهات المستقبلية – إلى أين تتجه المواجهة؟

– هل ستواصل إسرائيل استهداف الحشد عبر أدوات غير تقليدية؟

– هل سيتمكن العراق من بناء منظومة ردع متكاملة تحمي سيادته؟

– هل يتحول الحشد إلى قوة عقائدية–مؤسساتية تساهم في رسم سياسة أمنية وطنية مستقلة؟

– هل تنجح بغداد في تحييد عقدة القائم–البوكمال من الصراع الإقليمي؟

الخاتمة

تتّضح من التجربة أن المساعي الإسرائيلية ضد العراق ليست عابرة، بل استراتيجية متواصلة منذ الثمانينيات، تطورت من ضربات جوية علنية إلى عمليات سرية وهجمات بطائرات مسيرة بعد 2003، مع تركيز خاص على إضعاف الحشد الشعبي كونه الركيزة العسكرية الأبرز التي يمكن أن تحدّ من المشاريع الإسرائيلية في المنطقة.

إن مواجهة هذه التحديات تتطلّب من العراق تعزيز سيادته الجوية، مأسسة الحشد ضمن القوات المسلحة، وحماية عقدة القائم–البوكمال كخط دفاع متقدم، بما يضمن أن يبقى العراق لاعبًا استراتيجيًا فاعلًا لا ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *