يقول صاحب لي، من دولة ليست بعيدة ولا سعيدة، ان ملفات الفساد في بلادهم اصبحت أكثر من ملفات التعليم والصحة وكل الخدمات مجتمعة، وعبارة “أُحيل للنزاهة” تحولت لديهم إلى بساط احمر نحو منصب اعلى، ولم يعد من الواقعي عندهم، التحدث عن مكافحة الفساد.
وبعد تفكير ومراجعة لشجونه اليومية المتخمة بقصص “الخمط” الملياري المستمر، خطرت لنا فكرة عجيبة!… بما ان دولتهم عجزت عن لجم الفساد، فلماذا لا تقوم بتقنينه وتنظيمه!
ومع ساعات الليل الصيفي الحارق، الذي تختفي فيه الكهرباء ويختفي فيه الضمير، وحين تتصاعد سحب التبغ وتختلط بروائح عرق الفقراء وبؤسهم، وضعنا انا وصاحبي مشروعا غريبا عنوانه العريض:
“قانون الفساد الوطني الفدرالي الاتحادي”
يهدف الى “إدارة الفرهود”، وتحويل النهب من سلوك فردي عشوائي إلى قطاع رسمي منظم… يرفد الاقتصاد ويحقق العدالة في توزيع الحصص و “المالات”!
وبعد مباحثات واجتماعات مكثفة، ونصائح قدمت لنا من شركات استشارية وهمية، وفاسدين مخضرمين، قررنا ان نطرح مقترحا لهذا القانون:
القانون المقترح:
نظرا لتطور الفساد، وحرفية اخفاء الأدلة، وازدهار المشاريع الوهمية، وتقارير الإنجاز المزورة، وحفاظًا على وحدة الفاسدين وعدالة توزيع الغنائم، ولتوفير غطاء قانوني للنهب المنظّم… وُضع هذا القانون.
المواد:
المادة أولا: الهيئة العليا لحماية النخبة الفاسدة
تؤسّس هيئة مستقلة، يرأسها فاسد برتبة وزير، وتعنى برعاية الكفاءات التي أتقنت فن “الخمط”، ويُشترط في رئيسها أن يكون قد نجا من ثلاث قضايا فساد أُغلقت بـسبب “نقص الأدلة”، لضمان خبرته ولياقته لهذا المنصب الحساس.
المادة ثانيا: ضريبة الدخل الفاسد
تفرض ضريبة سنوية بنسبة 15% على جميع العمولات السرية، والعقود الوهمية، والمقاولات والمشاريع المنفذة على الورق.
وتخصص مبالغ هذه الضريبة، لدعم الجيل الجديد، من أولاد الفاسدين واقربائهم الناشئين، الذين يفتقرون للعلاقات السياسية والنفوذ الحزبي حاليا.
المادة ثالثا: صندوق دعم الفساد
يؤسس صندوق سياسي جديد، ويمول من صفقات “العطاءات والمقاولات المحسومة سلفاً”، وتوجه أمواله إلى دعم “الفاسدين الواعدين”، الذين هم في بداية تدرجهم الوظيفي.
المادة رابعا: جائزة الدولة للفاسد المحترف
تمنح جائزة سنوية لأفضل عملية اختلاس تمت دون إثارة ضجة، كما يُمنح الفائز درع “الابداع”، بالإضافة إلى لقب “الشبح الذهبي”.
المادة خامسا: وزارة الإنجازات الوهمية
تقوم هذه الوزارة، الذي يقودها وزير من إقليم المريخ وعشرة الاف فضائي غير موطنين، بإعداد تقارير مصورة عن مشاريع عملاقة وبنى تحتية كارتونية، تُعرض في المؤتمرات المحلية والدولية، ويُشترط أن تتجاوز نسبة الإنجاز فيها 92٪ فما فوق.
المادة سادسا: قسم الإعلام المدفوع مسبقا
مهمة هذ القسم، الصبغ والتلميع الممنهج، من خلال عناوين:
“بالفساد مالك علاقة ركز بهاي الأناقة” مثل:
“رغم اتهامه بملف فساد، الوزير يبهر الجمهور بأناقته وفصاحته!”
او ” تقسيم الحصص يزيد الفرص” مثل:
” رغم اختلاسه للمليارات، تتغنى باسمه كل القصص، انه نزيه في تقسيم الحصص!”
المادة سابعا: منصة شكوى بلا جدوى
نظام إلكتروني حديث ومتطور وبدالات لتلقي وتسجيل الشكاوى، يتم حذفها تلقائياً بعد 24 ساعة، حرصاً على هيبة الدولة واستقرار المسؤولين نفسيا.
الأسباب والفوائد الموجبة لهذا القانون:
– رفع الناتج المحلي عبر تدوير الأموال المنهوبة إلى الخارج واستثمارها محليا.
– توفير فرص عمل جديدة مثل: “خبير إنجازات وهمية”، “لاحوق إعلامي”، و”مدقق وصولات مزورة”، وموظف فضائي بنصف راتب “.
– تحسين سمعة الدولة باعتبارها أول من نظم الفساد وقننه.
قلت لصاحبي وانا اعدل سمعة الدولة، في العبارة الاخيرة: ان دولتكم وحكوماتكم المتعاقبة، عجزت عن مكافحة الفساد، وبهذا القانون ستحتويه وتديره وتحوله إلى مسار رسمي شفاف…على الأقل ستعرفون من يسرق، وكم يسرق، ولماذا!…
قال وهو ينفث ما تبقى من سيجارته كأنه ينفث اخر الاوهام: ان أكثر ما اخشاه، ان يستغل الفاسدون في بلدي “قانون الفساد” هذا، للمزيد من الفساد، لأنهم يجيدون انتهاز الفرص ولي القانون!!!


