حقيقـــة ممــــر داود

حقيقـــة ممــــر داود
فكرة "ممر داود" ليست وعدًا لاهوتيًا بقدر ما هي مشروع جيوسياسي يسعى لتوسيع نفوذ إسرائيل عبر المشرق، وتحقيقه مرهون بضعف دول المنطقة، بينما مواجهته تتطلب دولًا مؤسساتية قوية، مستقلة وموحدة القرار....

ليس جديداً أن يُستغل الدين من أجل السياسة أو السلطة أو النفوذ، فالتاريخ مليء بهذا النوع من الاستغلالات التي نجح أغلبها في تحقيق أهدافه، ولا يعرف على وجه التحديد من هو أول من استغل الدين من أجل السياسة، أو بنى سلطته متوسلاً بالعقائد الدينية، لكن مسار التاريخ المدون وليس المحكي أو الشفوي، أي التاريخ الذي بإمكان التحقيقات إثبات صحته حسب نظرية الخلفية الوثائقية؛ ورائد هذه النظرية هو المستشرق الألماني (يوليوس فلهوزن Julius Wellhausen – 1844/1918) يؤكد بأن “قسطنطين العظيم تــ 337م” يُعد علامة فارقة في الاستفادة من الديانة المسيحية، وعلى علاقة الدين بالسلطة، رغم بقاءه وثنياً فترة طويلة بعد اعتناقها؛ بل لعله اقتنع بالدين المسيحي وهو على فراش الموت، ومن جهة أخرى كان إدخال قسطنطين للمسيحية في قلب الإمبراطورية فتحاً عظيماً للنصرانية، فقد فتحت كل أبواب القوة للديانة المسيحية بعد هذا الحدث الكبير، لكن النتيجة أو المحصلة النهائية لم تبقَ لا إمبراطورية سلطوية ولا تدين مسيحي على الأرض التي اعتنق فيها قسطنطين المسيحية وانطلقت منها حملات التبشير الكبرى، بل تحولت الأرض وأغلب الشعوب التي فيها إلى ديانة أخرى وتوجهات سياسية مغايرة تماماً.

“ممر داود” في السرديات الدينية

وإذا أردنا أن نتحدث عن “ممر داود”في هذا السياق فهو فكرة تشابه أفكاراً أخرى في السرديات الدينية التاريخية، ومن وجهة نظرنا؛ وهي وجهة نظر تحليلية واقعية قائمة على تفكيك المشاريع السياسية، فإن السرديات الدينية التاريخية ليست إلا محركات استغلالية القصد من ترويجها هو كسب الزخوم الشعبية والإعلامية والعاطفية لصالح برامج سياسية تفتقد للحملات الإنسانية، وبسبب هذا الفقد الإنساني يتم اللجوء لهذه السرديات كعملية تعويضية لرأب الاعتوار أو النقص في البناء المشاريعي السياسي، ولذلك نحن نفضل الحديث عن “ممرداود” كمشروع جيوسياسي له أهداف استراتيجية، ولكن لابأس بنبذة سريعة عن المدخل اللاهوتي لمصطلح “ممر داود الإسرائيلي”، أو عن كيفية منح الله المشروعية لشعب معين أو جماعة معينة لتهيمن على رقعة جغرافية شاسعة لأسباب عقائدية.

تعد فكرة “ممر داود” من الأفكار الماشيحانية الخلاصية التي ترتبط بأحداث أخر الزمان، وهي موجودة في كل الأديان السماوية، فهي تتجسد عند المسلمين عبر “المهدي المنتظر” وعند المسيحيين عن طريق “الحضور الثاني ويوم الدينونة” وعند اليهود “بتأسيس إسرائيل الكبرى” وترتبط جميع هذه الأفكار بقاسم مشترك هو النبي إبراهيم، لذلك ينشط الحديث حالياً عن “الابراهيمية” وهي فكرة ساذجة خرافية لا تمنح شعوب الشرق الأوسط السلام الذي يعرضه منظرو هذه الفكرة عليهم، بل تميل كفة”الدعوة الابراهيمية” لصالح الكارتلات الاقتصادية الكبرى في العالم، وهذا يعني عدم ضمان حقوق مجتمعات المنطقة وفقاً لها، وهذا الكلام ليس رفضاً لمنطق السلام الذي تحمله، بل لعدم إمكانية استفادة المنطقة من هذه الفكرة عملياً، ويبدو أن القاسم المشترك بين الأديان في المسألة الخلاصية الإنقاذية يتشابه حد التطابق، ولكن خيطاً رفيعاً يفصل بين الحق والباطل والحقيقة والواقع والصواب والخطأ في هذه المسألة.

تستند فكرة “ممر داود” على حكاية في الكتاب المقدس، وتحديداً في سفر التكوين حيث عهد الله لإبراهيم: (سأعطي نسلك هذه الأرض من وادي العريش الى النهر الكبير نهر الفرات)، وهناك ألفاظ أخرى لهذا الوعد الإلهي المزعوم، ثم تبدأ التعريفات المكانية لهذه الرقعة الجغرافية، وهناك اختلاف في كتب اليهود نفسها حول تعريف المكان وكيفية السيطرة عليه، كما في سفر التثنية والتلمود والتناخ، ومؤخراً ظهرت “صهيونيات جديدة” بعضها سمي الصهيونية التصحيحية وتقر بوجوب مراجعة الإمكان العملي أو الواقعي لفكرة ( ممرداود – إسرائيل الكبرى) وتصل هذه المراجعة إلى حد التشكيك بالفكرة الأصلية الواردة في الكتاب المقدس، وهنا يتبين بأن تسمية “ممر داود” ليست تسمية مقدسة لدى الإسرائيليين، بل هي لفظ محدود جداً في الفكر الإسرائيلي ضخمه بعض فواعل الإعلام العربي والإسلامي، أما صيرورته حقيقة على أرض الواقع فهذا ما سنتحدث عنه في المستوى الجيوسياسي.

ولنتوقف هنا في محطة فكرية على درجة كبيرة من الأهمية، لنرى مدى التشابه بين وعد الله لإسرائيل ووعد الله للمسلمين، فكما جاء في سفر التكوين بأن الله منح عهده لليهود بالولاية على الأراضي المذكورة في الكتاب المقدس عن طريق النبي إبراهيم (سأعطي نسلك هذه الأرض…) فالله يمنحها أيضاً للمسلمين في القران الكريم عن طريق النبي إبراهيم، كما في الآية 124 من سورة البقرة (وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين) فطلب إبراهيم “الحكم – الإمامة” لذريته لم يُرفض من قبل الله، بل جاء مشروطاً بعدم الظلم، وهذا هو عهد الله الذي يفهمه المسلمون، والذي هو حق للرسول محمد لأنه من ذرية إبراهيم وأولى الناس به، وهذا الذي يجعل من الإسلام المحمدي هو كلمة الله العليا في المحصلة النهائية، وسوف يتم تطبيق ذلك على يد المهدي المنتظر بخروجه من مكة وذهابه إلى العراق ومن ثم تحرير بيت المقدس، وأخيراً ظهور العقيدة الاسلامية على الدين كله فكرياً وجغرافياً.

وهذا المسار اللاهوتي بقدر ما يبدو متشابهاً عند كل الديانات أو الملل، فإنه أيضاً محفوف بالتأويل الكلامي ومترع بالتأزم الإعلامي ومليء بمحاولات الاستقطاب الشعبوي، والأجدى من وجهة نظرنا بحث موضوع التحركات في المنطقة، بما فيها التحركات الإسرائيلية، في سياق سياسي تحكمه المصالح الاقتصادية والالتزامات الأمنية.

“ممر داود” كمشروع جيوسياسي

اما “ممر داود” كمشروع جيوسياسي فسيبدو كأي حملة توسعية منظمة تهدف إلى فرض نمط نفوذ يعزز السيطرة الاستراتيجية على منطقة ما، ومنها إعادة تشكيل سوريا بما يخدم مصالح الكيان الصهيوني عبر التفتيت أو الإضعاف، ثم تكوين شريط جغرافي ضيق يمتد عبر قلب المشرق يبدأ من مرتفعات الجولان المحتلة في الجنوب الغربي ويمر بالمحافظات السورية الجنوبية المحاذية لإسرائيل والأردن، وهي القنيطرة ودرعا، ثم يتسع شرقًا عبر السويداء في جبل حوران ويدخل البادية السورية باتجاه معبر التنف الإستراتيجي على الحدود السورية العراقية الأردنية، فتتغير ملامح الشرق الأوسط الحالي، لكنه ليس قدراً محتوماً، فعلى مستوى التفكير الاستراتيجي سيبدو مصطلح “ممر داود” مصطلحاً مغموراً في إسرائيل تطرق له نفر قليل من المفكرين والسياسيين، وصيرورته حقيقة على أرض الواقع مرهون بضعف مجتمعات وحكومات المنطقة بالدفاع عن مصالحها بالطريقة الصحيحة، وأحد أقوى طرق المواجهة لهذا المشروع حتى تتحقق مصالح شعوب المنطقة وتستقر الأوضاع فيها، هو أن تحكم هذه الشعوب”دولة المؤسسات” التي لها جيش واحد ودوائر نظامية وقطاعية محايدة، بمعنى أوضح أن تكون دول المنطقة في حالة استقلال حقيقي وبعيدة تماما عن التأثير الخارجي.

لقد رأينا بشكل جلي عدم قدرة إسرائيل على استهداف دول ليس فيها فصائل أو مليشيات كمصر أو تركيا ، دول قرارها السياسي موحد، ومؤسساتها العسكرية والاستخبارية والدبلوماسية فاعلة ومنضبطة بخيار الدولة الاستراتيجي، رغم أنها أيضاً دول تزاحم التوسع الإسرائيلي القائم على فكرة حماية أمن إسرائيل الذي تهدده كل دول المنطقة من وجهة نظر إسرائيلية أو حسب الزعم الصهيوني التاريخي، ولذلك يجب أن يبتعد صناع القرار في المنطقة عن الحسابات اللاهوتية لأنها محبطة، وقد تتسبب بحرب نفسية غير متكافئة مع إسرائيل وأمريكا، وكما يقول المفكر العربي الإسلامي عبد الوهاب المسيري في موسوعته (اليهود واليهودية والصهيونية) عن بروتوكولات حكماء صهيون من أنها كانت فكرة لترسيخ حتمية تحقق السيادة الإسرائيلية، فإن اجترار موضوع “ممر داود” كفكرة لاهوتية ترسخ الإحباط وعدم جدوى المواجهة التي يُكتسب عن طريقها حق شعوب المنطقة بالاستقرار والأمن والرفاهيةوالازدهار والتقدم.

المشاريع الجيوسياسية في المنطقة

يجب النظر بجدية وعمق للمشاريع الجيوسياسية في المنطقة والاعتماد في عملية التحصين منها على توسيع فرص التعايش السلمي والانسجام المجتمعي، وهذه الفرص شحيحة جداً حالياً، بل تتعمد قوى كثيرة في المنطقة لضرب الأقليات والمكونات الاجتماعية مما يجعلها عرضة للاستغلال من قبل قوى إقليمية ودولية، وهذا ما يجب أن يتوقف فوراً، ويجب أن تُنتزع جميع الحجج والذرائع لتبرير التدخلات الخارجية في شؤون الدول، وهذا ما يحتاج إلى حملة علاقات دولية واسعة تؤدي إلى نزع فتيل الأزمات بسرعة شديدة لا تستفحل معها الاختراقات العميقة للمشاريع الجيوسياسية.

إن العالم اليوم تحكمه توازنات مؤثرة تسمح بالاستقلالية القائمة على رعاية المصالح المتبادلة، وهذا لا يتحقق للعراق ودول المنطقة إلا أن تكون الدول محكومة بجميع سلوكياتها بالمناهج والبرامج الحكومية الملتزمة بالاتفاقيات الدولية والأممية، وفي هذا السياق يجب أن تجمع هذه الدول كل مواطن قوتها الداخلية والخارجية، الأحادية والمتبادلة، التاريخية والراهنة، للتعامل مع الواقع ضمن نسق البيئة الواحدة التي أي أنفاس خبيثة تفوح من أحد جوانبها ستضر بالبيئة بشكل كامل، وهذا المعطى من المفروض أن دول المنطقة تفهمه بشكل مؤكد ويقيني لأنها اكتوت بناره عشرات المرات، وسوف يمر ممر داود من هذه النافذة إذا لم تلملم دول وحكومات وقوى ونُخب المنطقة نفسها، وتصطبغ جميعاً بصبغة الكيس الفطن الذي لا تهجم عليه اللوابس، وعند هذه النقطة يبدأ الحديث بالبحث في مصاديق وأدوات ونقاط القوة التي يجب أن تُتبع لحماية الأمن القومي والمجال الحيوي للمنطقة من المشاريع الجيوسياسية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *