يشكل لقاء ألاسكا الجاري حاليا اثناء اعداد هذا التحليل، محورا لتغطيات اعلامية وتعليقات سياسية من المتوقع ان تستمر لفترة طويلة. ومع ذلك، تبقى النتائج البعيدة المدى لهذه القمة الامريكية–الروسية غير قابلة للتحديد بدقة. فقد تفضي الساعات القليلة المقبلة الى واقع سياسي جديد، او تمر دون ان يلحظ تغير ملموس، وذلك تبعا لحجم ونوع المعلومات التي ستختار الاطراف الافصاح عنها رسميا من خلال بيان مشترك، او تمريرها بطرق غير رسمية عبر تسريبات اعلامية موجهة.
اهمية القمة في مسار العلاقات الدولية
تكتسب القمة اهميتها من كونها تمثل محطة فاصلة في مسار العلاقات العالمية. فقد كانت اخر زيارة لرئيس روسي الى الولايات المتحدة في عام 2010، حين التقى ديمتري ميدفيديف بالرئيس باراك اوباما، في سياق موجة قصيرة من تطبيع العلاقات بين موسكو والغرب. غير ان هذا المناخ الايجابي تلاشى تماما بعد اربع سنوات، مع اندلاع الازمة الاوكرانية، وبدء مرحلة هي الاشد توترا في تاريخ العلاقات بين البلدين.
ومن هذا المنظور، فإن التوقيت الحالي للقمة يحمل دلالات استراتيجية بالغة، فهو يأتي في لحظة تحول عالمي تتشكل فيها تحالفات جديدة وتعيد القوى العظمى حساب مصالحها في ظل متغيرات جيوسياسية واقتصادية عميقة. ولا يمكن فصل نتائج هذا اللقاء عن الحسابات الداخلية لكل طرف وضغوط القوى الإقليمية الفاعلة، مما يجعله محفوفًا بالتحديات لكنه مليء بالفرص غير المضمونة. وهذا الوضع المعقد يضع النخب السياسية والعسكرية في كلا البلدين أمام اختبار حقيقي لإرادتها في تجاوز مأزق الثقة وبناء أرضية مشتركة، ولو كانت محدودة.
وفي عام 2018 عقد الرئيس الامريكي انذاك دونالد ترامب، لقاء في هلسنكي مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين، وسط توقعات عالية، عبر خلالها ترامب علنا عن تقدير لافت لبوتين. قد يكون لهذا اللقاء دور في تاخير اندلاع الحرب الواسعة في اوكرانيا الى ما بعد اربع سنوات، اي خلال ولاية جو بايدن، الذي التقى بدوره بوتين في جنيف عام 2021، في محادثات اوضحت الفجوات بين الطرفين، لكنها لم تفض الى تسوية تحول دون التصعيد اللاحق.
لقاء المبعوث الامريكي ستيف ويتكوف والروس
تاريخيا، تهيأ القممم من هذا النوع عبر مشاورات مطولة تسبقها، وقد شهدت الاشهر الماضية سلسلة لقاءات رفيعة المستوى بين المبعوث الامريكي ستيف ويتكوف ومسؤولين روس. ومع ان التوصل الى تفاهمات اولية حول بعض الملفات يبدو ممكنا، الا ان تنفيذها العملي ليس مضمونا. فاذا جاءت النتائج مماثلة لـ”اعادة الضبط” التي رافقت زيارة ميدفيديف عام 2010، فقد يمتد اثرها لسنوات، لكن التجارب السابقة، مثل قمتي هلسنكي وجنيف، تذكر بامكانية انحسار الزخم سريعا.
من غير المستبعد ان تتضمن المحادثات في الاسكا تناول بعض الملفات العربية ذات الابعاد الاقليمية والدولية، وعلى راسها القضية الفلسطينية، والاوضاع في سوريا، والتطورات السياسية والاقتصادية في لبنان، خصوصا في ظل تقاطعات هذه الملفات مع التوازنات الاستراتيجية التي تسعى كل من واشنطن وموسكو الى صياغتها في المرحلة المقبلة.
في السيناريو الاكثر تفاؤلا، قد تشكل محادثات الاسكا نقطة انطلاق لعملية معقدة وطويلة لاعادة صياغة النظام العالمي. ورغم ان نشوء هذا النظام امر حتمي في ضوء التحولات الجارية، فان ادارة هذا الانتقال عبر توافقات بين القوى الكبرى قد تحد من كلفته السياسية والاقتصادية والامنية. ان تحقق هذا المسار، فانه سيعزز الاحساس العالمي بالامان، ويفتح افاقا لاستقرار اكثر رسوخا.


