مرة أخرى يخرج علينا البنك المركزي بفعالية احتفالية، عنوانها هذه المرة “إطلاق دليل الوصول إلى التمويل”، وكأن المشكلة الأساسية لآلاف المشاريع الصغيرة والمتوسطة تكمن في عدم معرفتهم بوجود قروض أو آليات إقراض! الحقيقة أن المعضلة أعمق بكثير من دليل ورقي أو بروشور إعلامي.
فالمؤسسات الصغيرة والمتوسطة ما تزال محاصرة بين تعقيدات مصرفية لا تنتهي، شروط ضمانات تعجيزية، وبيروقراطية مصرفية عاجزة عن تقديم أي دعم جدي.
ملاحظات تحليلية نقدية:
1.تعدد الاستراتيجيات دون نتائج:
البنك المركزي يتحدث عن “الاستراتيجية الوطنية للإقراض” و”الاستراتيجية الوطنية للشمول المالي”، واليوم يضيف “دليل الوصول إلى التمويل”. ثلاث تسميات رنانة، لكن الواقع أن نسب الشمول المالي في العراق هي الأدنى في المنطقة، والمشاريع الصغيرة لا تزال رهينة اقتصاد غير منظم يبتلعها السوق السوداء.
2.تشتت الجهات الداعمة:
يعترف نائب المحافظ بأن تعدد الجهات الداعمة “يشتت الجهود”. إذاً، نحن أمام إقرار رسمي بفشل التنسيق بين الحكومة، المصارف، والمبادرات الدولية. ومع ذلك، الحل المقترح هو تأسيس “كيان وطني مستقل”! أي هيئة جديدة تُضاف إلى ركام الهيئات التي تستهلك موارد من دون إنتاج.
3.إعادة تدوير المبادرات القديمة:
منذ 2015 يتحدث البنك المركزي عن “مبادرات تمويلية” لدعم المشاريع، ولكن غياب قاعدة بيانات شفافة، وعدم وجود تقييم موضوعي لهذه القروض، يجعلها أقرب إلى مبادرات دعائية موسمية تخدم خطاب السلطة أكثر من واقع الاقتصاد.
4.اقتصاد غير منظم بلا حلول:
نصف اعتراف آخر: “المشاريع الصغيرة ضمن الاقتصاد غير المنظم”. ولكن لم يقدم البنك المركزي ولا الحكومة خارطة طريق لتحويل هذا الاقتصاد إلى منظم (تسجيل، ضرائب مخفضة، تأمين اجتماعي). فكيف يصل مشروع غير مسجل إلى التمويل المصرفي أصلاً؟
5.مبادرة “ريادة”: واجهة إعلامية
الحكومة تباهي بمبادرة “ريادة”، لكن المتابع لسوق العمل يلاحظ أن أثرها محدود، وغالباً ما تتحول إلى قصص نجاح فردية للاستهلاك الإعلامي، من دون أن تُحدث فرقاً في نسب البطالة أو تنويع الاقتصاد.
التهكم في المشهد:
نحن أمام اقتصاد يدار بالدلائل، لا بالسياسات: دليل للشمول المالي، دليل للإقراض، دليل للوصول إلى التمويل. والنتيجة:
- المشاريع الصغيرة تبقى “خارج الدليل”.
- القطاع المصرفي يبقى “خارج المنافسة”.
- المواطن يبقى “خارج الخدمة”.
إنها عملية تجميل بيروقراطي لمشكلة هيكلية، حيث المصارف العراقية ما تزال عاجزة عن التحول من “صراف آلي كبير” إلى مؤسسة تمويلية حقيقية.
الخلاصة:
“دليل الوصول إلى التمويل” ليس إلا فصلًا جديدًا من فصول تسويق العجز. فالأصل ليس في إصدار كتيبات، بل في إعادة هيكلة النظام المصرفي، إصلاح بيئة الأعمال، وتحويل الاقتصاد غير المنظم إلى منظم.
أما غير ذلك، فسيظل كل “دليل” مجرد ورقة إضافية على رف أزمة التمويل في العراق.


