تشكيل الفريق الوطني لتحسين التصنيف الائتماني السيادي للعراق: بين تكرار إخفاقات الماضي واستحقاقات الإصلاح الحقيقي
إعلان الحكومة العراقية عن تشكيل فريق وطني لتحسين التصنيف الائتماني السيادي يمثل خطوة سياسية–إعلامية تعكس رغبة في إظهار التزام العراق بالإصلاح المالي والاقتصادي أمام المجتمع الدولي. غير أن الإشكالية الجوهرية تكمن في طبيعة الجهات المكونة للفريق، إذ إن معظمها هي ذاتها التي أخفقت في إدارة الملفات المالية والاقتصادية على مدى السنوات الماضية، ما أدى إلى تدني تصنيف العراق السيادي وبقائه في مستويات متدنية (B- مع نظرة مستقبلية غير مستقرة بحسب وكالات مثل Fitch وS&P).
-
وزارة المالية:
عانت من غياب سياسة مالية مستقرة، واعتماد مفرط على النفط، وتأخير في إقرار الموازنات، إضافة إلى فوضى إدارة الدين العام.
-
وزارة النفط:
رغم وفرة الإيرادات النفطية، فشلت في خلق صندوق سيادي أو إدارة رشيدة للعوائد بما يعزز الثقة المالية.
-
وزارة التخطيط:
قصرت في تقديم خطط تنموية قابلة للتنفيذ، إذ بقيت خططها حبيسة الأدراج، دون أثر حقيقي في تنويع الاقتصاد أو تحسين بيئة الأعمال.
-
البنك المركزي:
رغم محاولاته ضبط السياسة النقدية، واجه انتقادات حادة تتعلق بملف مزاد العملة والرقابة المصرفية وضعف الثقة الدولية بالمصارف العراقية.
- هيأة الأوراق المالية والقطاع المصرفي:
ما زالا يعانيان من ضعف العمق المالي وغياب سوق استثمارية جاذبة، مع هيمنة المصارف الحكومية وضعف البنية التحتية للقطاع الخاص المالي.
إذن، فإن إعادة تكليف هذه الجهات نفسها بوضع “استراتيجية تحسين التصنيف” يثير تساؤلات جدية:
هل يمكن لمن تسبب في تراجع المؤشرات أن يقود عملية إصلاحها؟
وكالات التصنيف العالمية لا تعتمد على الخطاب السياسي أو تشكيل اللجان بقدر ما تنظر إلى مؤشرات فعلية، من أبرزها:
- استقرار المالية العامة وتقليل عجز الموازنة.
- إدارة رشيدة للدين العام (خارجيًا وداخليًا).
- تنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على النفط.
- فعالية السياسة النقدية وشفافية الجهاز المصرفي.
- مكافحة الفساد وتعزيز الحوكمة الاقتصادية.
لكي تتحول الاستراتيجية من إطار شكلي إلى أداة عملية لرفع التصنيف الائتماني، ينبغي اعتماد مقاربة مختلفة ترتكز على:
- إشراك خبراء دوليين ووطنيين مستقلين إلى جانب الفريق الوطني، لضمان الحياد وإدخال معايير مهنية.
- تأسيس وحدة اقتصادية مستقلة ترتبط برئاسة الوزراء مباشرة، متخصصة بمتابعة مؤشرات التصنيف الائتماني وإعداد تقارير ربع سنوية.
- تفعيل الصناديق السيادية لتجميع فوائض النفط وتحويلها إلى أصول مالية واستثمارات خارجية تعزز الاستقرار المالي.
- تبني سياسة شفافية مالية عبر نشر تقارير شهرية عن الإيرادات، الديون، والعجز وفق المعايير الدولية (IMF, World Bank).
- تحفيز القطاع الخاص ببيئة أعمال جاذبة، تشمل قوانين استثمارية مرنة، وإصلاح القضاء التجاري، وتطوير سوق الأوراق المالية.
تشكيل الفريق خطوة قد تبدو إيجابية في ظاهرها، لكنها في جوهرها لا تمثل تحولاً نوعيًا ما لم تُعالج جذور الإخفاق السابقة وتُدخل عناصر مهنية جديدة قادرة على خلق ثقة حقيقية. التصنيف الائتماني لا يتحسن باللجان والبيانات الإعلامية، بل بالسياسات الفعلية، وضبط الإنفاق، وتعزيز الشفافية، وتنويع الاقتصاد.
بعبارة أخرى: إذا لم تتغير الأدوات، فلن تتغير النتائج.
لجان حكومية لتحسين التصنيف أم لتبرير التراجع


