الجزء الأول .. إيران والكيان… على صفيح ساخن

الجزء الأول .. إيران والكيان... على صفيح ساخن
تشهد المنطقة تصعيداً متسارعاً بين إسرائيل وإيران مع اقتراب انتهاء مهلة الاتفاق النووي، حيث تعيد تل أبيب بناء قدراتها الهجومية، فيما تراهن طهران على الردع ودعم حلفائها، ما يجعل الشرق الأوسط على شفا انفجار إقليمي واسع....

الاستعدادات العسكرية والسياسية والتحالفات الدولية في الأشهر الحاسمة من 2025

• النافذة الحرجة للصراع:

منذ انطلاق طوفان الأقصى، وبالاخص بعد حرب الـ 12 يوم في يونيو 2025، انكشفت هشاشة المنظومات الدفاعية الإسرائيلية أمام وابل الصواريخ والمسيرات الإيرانية وحلفائها.

إسرائيل، التي اعتادت أن تقدّم بوصفها القوة المتفوقة عسكريا في المنطقة، وجدت نفسها أمام عجز واضح في حماية جبهتها الداخلية ونقص كبير في الذخائر.

في المقابل، لم تخرج إيران سالمة تماما، إذ تعرضت دفاعاتها الجوية وراداراتها لضربات مؤلمة، لكنها أظهرت قدرة على الصمود وردع الخصم عبر صواريخ دقيقة وبنية عسكرية مرنة.

اليوم، تدخل المنطقة مرحلة فاصلة، حيث لم تعد الحرب مجرد احتمال بعيد، بل سيناريو تبنى له الحسابات العسكرية والدبلوماسية يوما بعد آخر.

النافذة الزمنية الأخطر هي تلك التي ستسبق نهاية أكتوبر 2025، موعد انتهاء خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA)، وتنتهي معها الالية التي تسمح بإعادة فرض العقوبات على الجمهورية الإسلامية التي تعرف بـ “آلية الزناد” (SNAPBACK) في الاتفاق النووي، والتي يمكنها ان تعيد إيران تحت طائلة الفصل السابع لمجلس الأمن.

هذه الفترة الزمنية لا تقرأ قانونيا فحسب، بل عسكريا أيضا، إذ تمنح إسرائيل غطاء دوليا محتملا لشن هجوم قبل أن تمتلك إيران حرية أوسع في تطوير برنامجها النووي.

• إسرائيل – ترميم الدفاعات وبناء بنك الأهداف:

في الشهرين الماضيين، ركزت إسرائيل على إعادة ترميم قدراتها الدفاعية والهجومية، فقد أعيد تشغيل معظم بطاريات القبة الحديدية ومنظومة (حيتس)، مع تزويدها بقدرات مطورة على اعتراض الصواريخ الباليستية متوسطة المدى.

كما حصلت على دعم عاجل عبر جسور جوية من الولايات المتحدة وأوروبا، لتعبئة مخازن الذخائر التي استنزفت بشكل خطير خلال المواجهة السابقة.

إلى جانب ذلك، كثفت القيادة الجوية تدريباتها على سيناريوهات هجومية مركبة تشمل قصف منشآت محصنة على مسافات بعيدة، واستخدام أسراب من المسيرات الكبيرة لتشتيت الدفاعات الإيرانية.

ويشير محللون غربيون إلى أن إسرائيل بحاجة إلى فترة تتراوح بين أربعة إلى خمسة أشهر للوصول إلى مستوى جهوزية يسمح بتنفيذ عملية جديدة ضد المنشآت النووية الإيرانية ومراكز القيادة العسكرية.

لكن هذه الجهود تصطدم بمعضلة أساسية:

–  إسرائيل لا تتحرك وحدها، فهي تعتمد بشكل كبير على الدعم اللوجستي والاستخباراتي الأمريكي، وهو ما يجعل قرار الحرب مرتبطا إلى حد كبير بموقف واشنطن، التي تبدو مترددة بين دعم إسرائيل وردعها عن إشعال حرب قد تهدد مصالحها الاقتصادية والنفطية في الخليج.

• إيران، الردع مستمر رغم الجراح

في طهران، لا يبدو المشهد أقل حركية، فقد سارعت إيران إلى ترميم دفاعاتها الجوية بمساعدة روسية صينية، مع نشر رادارات متنقلة وتطوير أنظمة مثل

“باور 373″ و”خرداد 15”.

كما تشير تقارير استخباراتية إلى تسريع برنامج الطائرات المسيرة الهجومية، وإدخال تحسينات على دقة الصواريخ الباليستية متوسطة المدى.

مع ذلك، يدرك الخبراء أن شهرين لا تكفيان لسد كل الثغرات التي كشفتها الحرب الأخيرة، ولهذا اعتمدت إيران تكتيك الانتشار اللامركزي:

– توزيع الدفاعات الجوية والصاروخية على نطاق واسع، بحيث يصعب على إسرائيل تدميرها بضربة واحدة.

– هذه المرونة، إلى جانب الدعم الروسي والصيني في تقنيات الحرب الإلكترونية، تمنح طهران قدرة على إبطاء أي هجوم إسرائيلي، حتى لو لم تمنعه كليا.

الأهم من ذلك، أن إيران تراهن على عنصر الردع:

– فقد أثبتت حرب الـ 12 يوم أن مجرد إطلاق دفعات محدودة من الصواريخ الدقيقة قادر على تعطيل موانئ إسرائيل ومطاراتها، ما يجعل كلفة أي عدوان مرتفعة حتى قبل أن تبدأ الحرب الكبرى.

•النافذة الزمنية الحرجة

في المعادلة السياسية، يشكل الاتفاق النووي عاملا حاسما.

انتهاء المهلة الممنوحة لإيران في نهاية أكتوبر 2025 قد يفتح الباب أمام استئنافها أنشطة نووية أكثر جرأة، ما يضع إسرائيل أمام خيار “التحرك قبل فوات الأوان”.

والتجارب السابقة تظهر أن إسرائيل تجيد استغلال اللحظات السياسية الحساسة:

– عام 1981 حين قصفت مفاعل تموز العراقي، وفي عام 2007 عندما استهدفت منشأة الكبر السورية، والحرب الأخيرة على إيران، حينما اعتمدت على تقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية كغطاء سياسي لتحركاتها.

واليوم، قد يتكرر المشهد إذا اعتبر أن إيران ستعيد نشاطاتها النووية.

إلى جانب البعد السياسي، هناك بعد اقتصادي لا يقل خطورة:

– أي تصعيد في الخليج أو البحر الأحمر سيرفع أسعار النفط بشكل كبير، ما سيضغط على أوروبا التي تعاني أصلا من أزمات الطاقة بعد الحرب الأوكرانية.

– وهنا يبرز الدور الروسي والصيني، موسكو قد تستفيد من ارتفاع أسعار الطاقة، فيما ترى بكين أن استقرار تدفق النفط الإيراني والخليجي مسألة حيوية لأمنها الاقتصادي.

• الشرق الأوسط يقف على صفيح ساخن

إسرائيل تستعجل إعادة بناء قدراتها الهجومية، وإيران تراهن على صمودها وردعها المدعوم من حلفائها وداعميها الدوليين.

ما بين نهاية سبتمبر واواخر أكتوبر 2025، تفتح “النافذة الحرجة” التي قد تحدد مصير المنطقة لسنوات مقبلة.

والمعادلة واضحة، إسرائيل تسعى لاستباق الوقت وضرب إيران قبل أن تستعيد قوتها الكاملة، فيما تحاول طهران إثبات أن أي عدوان سيقود إلى حرب إقليمية مفتوحة.

في هذه اللحظة المفصلية، يبدو الشرق الأوسط أقرب ما يكون إلى انفجار جديد قد يعيد رسم موازين القوى، ليس عسكريا فحسب، بل سياسيا واقتصاديا على مستوى العالم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *