يشير الواقع العراقي الراهن بوضوح إلى حالة انحدار وتآكل لمفهوم الدولة. و لم تعد الأولوية لبناء وطن جامع، بل باتت المصالح الفردية والطائفية، والانتخابات الشكلية، هي المحرك الأساسي للسلوك السياسي. وهكذا غابت وغُيبت الدولة كقيمة ومعنى، وحلت محلها شبكات النفوذ والمحاصصة، في استمرار لمسار تأسيسي هش لم يتعافَ منذ ولادته الأولى تحت وصاية استعمارية.
هذه المقالة التي تستند إلى الكتاب أدناه تسلط الضوء على الجذور البنيوية لهذا الضعف، من خلال تحليل توبي دوج لتجربتي الاحتلال البريطاني والأميركي في بلاد الرافدين، وكيف أنتج كلاهما دولة عراقية بلا قاعدة شعبية ولا شرعية داخلية.
في كتابه (اختراع العراق: فشل بناء الدولة وتاريخٌ مُنكر)، يقدم المؤرخ البريطاني (توبي دوج) قراءة نقدية معمقة لتجربتي الاحتلال البريطاني والاحتلال الأميركي للعراق، من خلال تحليل آليات بناء الدولة في كلتا المرحلتين.
من خلال عنوان الكتاب نفهم من المؤلف أن الدولة العراقية لم تنشأ بتطور طبيعي بل (اختُرعت) ككيان سياسي وفقاً لمصالح خارجية، مما أدى إلى فشل بناء الدولة الوطنية، لا سيما مع تهميش التاريخ المحلي للعراقيين في عملية تأسيس الدولة.
يُظهر دوج أن كلا المشروعين البريطاني والأميركي رغم الفارق الزمني الكبير بينهما اعتمدا على رؤية خارجية مصممة لإنتاج دولة وظيفية تلبي مصالح الدول المحتلة، لا على إشراك العراقيين في بناء دولتهم الوطنية.
1.الاحتلال البريطاني
يتناول دوج تجربة الاحتلال البريطاني بوصفها محاولة لتأسيس (دولة مركزية حديثة) من خلال فرض مؤسسات فوقية استوردتها بريطانيا من تجربتها الإمبراطورية، دون مراعاة للبنية الاجتماعية والدينية للعراق.
أنشأت بريطانيا نظامًا ملكيًا يرأسه الملك فيصل الأول، رغم اعتراضات شرائح واسعة من الشعب، ما أضعف شرعية الدولة منذ نشأتها.
ومِن ثم، تم الاعتماد على الزعامات المحلية (القبلية والمذهبية) لضمان السيطرة، ما أسس لنمط من الحكم يعتمد على الولاءات الشخصية والطائفية. وبذلك ، لم يُتح للعراقيين تمثيل حقيقي في مؤسسات الحكم، بل تم فرض نظام برلماني شكلي خاضع للسلطة البريطانية.
يرى دوج أن الاحتلال البريطاني لم يبنِ دولة بالمعنى الحديث، بل أنشأ بنية فوقية خالية من قاعدة اجتماعية، تخدم أغراض الإمبراطورية لا احتياجات السكان.
2.الاحتلال الأميركي وتكرار السيناريو
بعد سقوط نظام صدام حسين في عام 2003، أعادت الولايات المتحدة تجربة بناء الدولة في العراق، لكن دوج يوضح كيف أن السياسة الأميركية وقعت في فخ إعادة إنتاج التجربة البريطانية نفسها، وإن بأساليب مختلفة، إذ قررت في البدء سلطة الاحتلال بقيادة بول بريمر حل الجيش، ما خلق فراغًا أمنياً وسياسياً ضخماً.
بعد ذلك، تم تشكيل “مجلس الحكم” من معارضين قادمين من الخارج، يفتقرون للشرعية داخل العراق. من جهة أخرى ، أعادت الولايات المتحدة تنظيم الحياة السياسية وفق الانقسامات الطائفية والإثنية، مما حول الهُوية الوطنية إلى صراع مكونات.
بحسب دوج، فإن السياسة الأميركية اعتمدت على تقسيم المجتمع العراقي بدلاً من توحيده، تماماً كما فعل البريطانيون، ولكن عبر آليات جديدة ذات طابع طائفي مؤسسي.
أوجه التشابه بين التجربتين:
أسس البريطانيون النظام الملكي بقيادة فيصل الأول بعد مؤتمر القاهرة 1921.
شكل الأميركيون “مجلس الحكم الانتقالي” عام 2003 من شخصيات منفية مقربة من واشنطن.
النخب في عهد البريطانيين كانت موالية للإمبراطورية البريطانية ومقطوعة عن الشارع العراقي.
النخب في عهد الأمريكيين جاءت من الخارج ولم تحظَ بشرعية داخلية حقيقية.
فرضت بريطانيا مؤسسات فوقية دون مشاركة شعبية فعلية.
قامت أميركا بحل مؤسسات الدولة القائمة (مثل الجيش) وفرضت مؤسسات جديدة من الأعلى.
استخدام الانقسامات المجتمعية:
بريطانيا اعتمدت على التحالفات القبلية والطائفية لضبط المجتمع.
أعادت أميركا ترتيب النظام السياسي وفق خطوط طائفية واضحة (شيعة، سنة، أكراد).
روجت بريطانيا لفكرة “تمدين” العراق ونقله إلى الحداثة في إطار مصالحها الإمبريالية.
دعت أميركا إلى نشر الديمقراطية ومحاربة الإرهاب، لكن النتيجة كانت فوضى سياسية.
النتيجة في الحالتين:
بناء دولة ضعيفة ومفككة، لا تستند إلى شرعية داخلية، وتعاني من هشاشة مزمنة في بنيتها. يؤكد دوج في كتابه أن كلاً من بريطانيا والولايات المتحدة تعاملتا مع العراق كـ (مختبر) لتطبيق نموذج دولة مسبقة الصنع. تجاهلتا أن العراق ليس وعاءً فارغاً، بل مجتمعاً له خصوصيته التاريخية والسياسية.
تُبرز المقارنة بين الاحتلالين البريطاني والأميركي أن فشل بناء الدولة في العراق لم يكن ناتجاً فقط عن الفساد الداخلي أو الانقسامات المجتمعية، بل عن مشاريع خارجية هندست السلطة بشكل لا يتوافق مع الواقع العراقي. يرى دوج أن كل مشروع خارجي لبناء الدولة دون مشاركة العراقيين الحقيقيين، سيظل محكوماً بالفشل، كما حدث في الماضي، ويحدث في الحاضر.
هوامش:
Dodge, Toby. Inventing Iraq: The Failure of Nation Building and a History Denied. Columbia University Press, 2003.
Watenpaugh, Keith David. “Review: Inventing Iraq.” International Journal of Middle East Studies, Cambridge, 2008.
Cambridge.org


