هل صدام السليمانية ينذر بصراع أوسع؟
لم تكن الأحداث المؤسفة في محافظة السليمانية مجرد حادثة أمنية عابرة، بقدر ما مثّلت جرس إنذار لواقع سياسي وأمني معقد قد يتجاوز حدود المحافظة نحو عموم العراق. فالبيان الرسمي الصادر عن الناطق باسم القائد العام للقوات المسلحة، الذي شدّد على حيادية الإجراءات القانونية وضرورة تجنب المظاهر المسلحة، يكشف عن قلق عميق لدى الحكومة من تحوّل أي شرارة محلية إلى نزاع أوسع بين مراكز القوى المتصارعة.
السليمانية كـ”بوصلة الصراع”
تاريخياً، مثلت السليمانية فضاءً سياسياً مختلفاً عن أربيل ودهوك، سواء من حيث الانتماء الحزبي أو الارتباطات الإقليمية. وبالتالي، فهي ليست مجرد محافظة، بل ساحة اختبار للتوازنات داخل الإقليم، وبين الإقليم والمركز. وأي خلل في هذه المعادلة يفتح الباب أمام تدخلات داخلية وخارجية، تتحول سريعاً إلى صراع بالوكالة.
انتقال العدوى إلى الوسط والجنوب
الصراع في السليمانية لا يبقى محصوراً جغرافياً، بل يُستثمر خطابياً وسياسياً في بغداد والمحافظات الأخرى. فالأطراف السياسية العراقية تعاني هشاشة داخلية وانقسامات حادة، ما يجعلها مستعدة لاستخدام أي أزمة محلية كوسيلة لشدّ العصب الانتخابي أو لتصفية حسابات سياسية. وبذلك تصبح “حادثة السليمانية” مرآةً يمكن أن تنعكس على بقية المحافظات، خصوصاً في ظل حالة الاحتقان الاقتصادي والاجتماعي.
معضلة السلاح خارج الدولة
الإشارة الرسمية إلى ضرورة “تنفيذ الإجراءات بعيداً عن المظاهر المسلحة” تكشف جوهر المشكلة: تعدد مراكز القوة العسكرية خارج إطار الدولة. فكلما برز نزاع سياسي أو اجتماعي، يكون السلاح هو أول رد فعل، ما يضاعف احتمالات الانفجار، ويحوّل أي خلاف محدود إلى صراع مفتوح. وإذا ما انتقلت هذه الظاهرة من السليمانية إلى بغداد أو البصرة أو الموصل، فإننا أمام حريق وطني شامل.
التداعيات الاقتصادية والاجتماعية
لا يمكن فصل البعد الأمني عن الأزمة الاقتصادية الخانقة التي يعيشها المواطن. تذبذب الدولار، ضعف الخدمات، وتباطؤ المشاريع الاستثمارية، كلها عوامل تجعل أي حدث أمني محفزاً لانفجارات اجتماعية. وهنا تكمن الخطورة: إذا تحولت شرارة السليمانية إلى أزمة معيشية يشعر بها المواطن في بغداد أو النجف أو البصرة، فإنها ستتحول إلى وقود لاضطرابات جماهيرية واسعة.
سيناريوهات المستقبل
1.احتواء مبكر: نجاح الحكومة في ضبط الموقف بالقانون، مع دعم إقليمي يضغط على الأطراف المتصارعة، ما يمنع انتقال الأزمة.
2.تمدد تدريجي: تحوّل السليمانية إلى ساحة صراع حزبي – أمني ينعكس على بغداد ويشجع الأطراف الأخرى على تحريك الشارع.
3.شرارة وطنية: فشل الاحتواء، واندلاع موجة احتجاجات مسلحة أو شعبية تمتد إلى الوسط والجنوب، وهو السيناريو الأخطر.
هل تحترق بغداد بشرارة السليمانية؟
إن الإجابة تعتمد على قدرة الدولة على فرض القانون بحيادية، وعلى مدى استعداد القوى السياسية لتغليب المصلحة الوطنية على حساباتها الفئوية. السليمانية اليوم ليست مجرد مدينة شمالية، بل خط تماس سياسي – أمني قد يحدد مستقبل العراق كله. فإذا ما نجح المركز في إطفاء هذه الشرارة بالحكمة والقانون، فإن العراق ينجو من الحريق. أما إذا فُتح الباب للسلاح والمصالح الضيقة، فإن شرارة السليمانية قد تتحول إلى نار تحرق ما تبقى من استقرار هش في البلاد.


