الأحزاب الشيعية في العراق… حين يغيب العقل السياسي ويضيع القرار

الأحزاب الشيعية في العراق... حين يغيب العقل السياسي ويضيع القرار
تُظهر الأحزاب الشيعية في العراق عجزًا بنيويًا بسبب غياب "مطبخ القرار" وافتقارها لعقل جماعي استراتيجي. ويقترح النص تأسيس مطابخ حزبية ومشتركة تنقذ التجربة الشيعية من الفوضى والانهيار السياسي وتحوّلها إلى مشروع وطني واعٍ....

مطبخ القرار الشيعي المغيب… ضرورة حزبية وجماعية

•حين يغيب العقل وتبقى الزعامات:

في معظم التجارب السياسة الحزبية الكبرى في العالم، يكون “العقل السياسي الجماعي” هو الركيزة الأساسية في رسم السياسات، وتحديد المواقف، والتعامل مع التحولات.

هذا العقل لا يولد صدفة، بل ينتج داخل مطابخ قرار متكاملة، تمارس دورها بعيدا عن الانفعالات، وتجيد القراءة الدقيقة للواقع، وتصوغ التوجهات المرحلية والاستراتيجية بناء على رؤية متماسكة.

لكن حين ننظر إلى واقع الأحزاب الشيعية في العراق بعد 2003، نجد مشهدا مقلقا وخاليا من هذا النمط المؤسساتي.

فبدل أن نرى غرف تفكير، ومجالس تخطيط، ومطابخ قرار تنتج سياسات، نجد زعامات فردية، وتخبط ارتجالي، وردود فعل متأخرة، تحكمها انقسامات داخلية، وحسابات شخصية وولاءات ظرفية.

غياب “غرف صنع القرار”، داخل هذه الأحزاب لا يعني نقصا في الأداء فقط، وانما يعكس خللا بنيويا عميقا في فهم السياسة بوصفها فن صناعة الممكن، وإدارة المصالح، وتوجيه الجمهور نحو مشروع جمعي، لا مجرّد سلطة أو غنيمة.

إن هذا العرض السريع ليس نقدا للأحزاب الشيعية فحسب، بل هو محاولة جادة لإعادة طرح السؤال المركزي:

“لماذا أخفق الشيعة (وهم الأغلبية السياسية والديمغرافية) في تحويل حضورهم إلى مشروع وطني جامع وفاعل؟”

والجواب: “لأنهم يفتقرون إلى (مطبخ قرار) حقيقي، ينتج العقل الجمعي، ويحصّن التجربة، ويوجّه الخطاب، ويحدد الأولويات.”

ورغم بساطة الإجابة، الا انها تميط اللثام عن جذر الازمة والخلل الذي يعصف في بنية الاحزاب الشيعية.

• تشخيص الواقع السياسي للشيعة في العراق:

من يتابع أداء القوى السياسية الشيعية منذ 2003 حتى اليوم، يدرك بسرعة أنها تتحرك دون خارطة طريق استراتيجية واضحة، لأنها لا تملك، غرف تفكير متخصصة تدرس التحولات، ولا مؤسسات محترفة تقدم استشارة وتقدير موقف، ولا فرق متخصصة تحلل وتغذي القيادات بالمعلومات والمعطيات اللازمة لاتخاذ القرارات.

وما هو موجود لا يتعدى:

– اجتماعات موسمية مغلقة تهيمن عليها المجاملات او التناحر.

– اجتهادات فردية لزعامات حزبية، تتعامل مع السياسة بمنطق الغنيمة او الخسارة الشخصية.

– ردود فعل متأخرة على الأحداث بدل صنعها او استباقها.

قرارات تصنع بالعاطفة لا بالعقول:

في معظم الحالات، يلاحظ أن القرار السياسي عند هذه الأحزاب يتخذ “في القلب”، لا في العقل المؤسسي:

-يملى من “شخص نافذ” داخل الحزب او أحد افراد عائلته والمقربين من دائرته.

– أو يقر كردّ فعل على ضغوط جماهيرية، أو إعلامية، أو حليف دولي أو إقليمي.

– غياب المؤسسات داخل الحزب جعل القرار السياسي هشّا، قابلا للانهيار عند أول أزمة، ومتخبطا بين خطاب شعبي ديني حماسي، وأداء سياسي باهت ومتناقض.

الفوضى بين الانتماء المذهبي والمشروع الوطني:

الأحزاب الشيعية فشلت في تحديد هويتها السياسية بوضوح…

-هل هي أحزاب إسلامية شيعية تسعى لحماية حقوق الطائفة وبناء الدولة؟

– أم هي أحزاب وطنية عامة تريد تمثيل الجميع؟

هذا التذبذب جعلها تخسر تدريجيا جمهورها الشيعي، دون أن تنجح في كسب جمهور وطني أوسع.

فلا هي أقنعت القاعدة الشيعية بأنها تمثلها بصدق، ولا هي أثبتت للآخرين أنها تمثل مشروع دولة وطنية جامعة.

خلافات، تخبط، وتناقض: امثلة…

– خلافات داخلية حادة في تشكيل الحكومات، حتى بين القوى التي تشترك في المرجعية والمنطلق، مما أضعف الموقف الشيعي وأفقده احترام الخصوم والحلفاء على حد سواء.

-تخبط في الموقف من الاحتلال الأمريكي، بين من يرى ضرورة التحالف معه، ومن يتبنى خيار المقاومة، ومن يقف في المنتصف دون موقف واضح.

– مواقف متناقضة من بعض القوانين الحكومية، كالموازنة، والعلاقة مع الإقليم.

النتائج الكارثية لغياب مطبخ القرار:

إن غياب مطبخ القرار داخل الأحزاب الشيعية لم يكن خللا فنيا سهلا، بل كارثة بنيوية مستمرة ومكلفة، انعكست بشكل مباشر على مصير الشيعة في العراق، وعلى مستقبل الدولة ككل.

وهذه النتائج لم تعد افتراضات نظرية، بل وقائع ملموسة نعيشها يوميا، ويمكن تلخيص أبرزها في النقاط التالية:

1-خسارة القواعد الجماهيرية:

الجمهور الشيعي، الذي كان في مرحلة ما يضحي ويفتح بيته للسياسيين، فقد ثقته بالكامل، اذ لم ير من الأحزاب من يدافع عن مصالحه الفعلية، ولم يلمس منهم مشاريع خدمية حقيقية أو بناء دولة، كما انه سئم من الخطابات المتكررة والشعارات المستهلكة، بينما الفساد والمحاصصة على أشدّها.

النتيجة؟

عزوف انتخابي كبير، خصوصا في المحافظات الشيعية، مع صعود مشاعر الرفض، والغضب، والجحود بالعملية السياسية.

2- فشل في إدارة الدولة

الأحزاب الشيعية، رغم امتلاكها السلطة التنفيذية والتشريعية في معظم المراحل، فشلت في إنتاج نموذج ناجح للحكم:

– ضعف التخطيط.

– تضارب المصالح.

– سوء الإدارة.

– غياب الرؤية التنموية والسيادية.

حتى الملفات التي تمسّ الشيعة مباشرة، مثل البيئة، الخدمات، الفقر في الجنوب، أو حقوق الشهداء، لم تجد اهتماما يليق بحجم التضحيات.

3- انهيار التنسيق داخل البيت الشيعي:

بدون القرار والرؤية المشتركة، تحولت الأحزاب الشيعية إلى اقطاب متنافرة…

– كل حزب يعمل لحسابه الخاص.

– لا يوجد موقف موحد من القضايا الكبرى.

–  كلما اجتمعوا على شيء، سرعان ما تفرقوا عند أول تحدّ أو خلاف.

وهذا ما جعل الآخرين ينظرون للبيت الشيعي كـ “جسم مريض” يسهل تفكيكه والتلاعب بتناقضاته.

4- هشاشة الخطاب السياسي:

غياب مصنع القرار أنتج خطابا سياسيا متقلبا ومتناقضا…

– تارة ديني شعبي، وتارة وطني مدني.

– تارة مع محور المقاومة، وتارة يريد التطبيع على استحياء.

– تارة مع الدولة، وتارة مع اللا دولة.

النتيجة؟ ضياع الهوية، وارتباك القاعدة، وسهولة تشويه الخطاب من قبل الخصوم.

5- فقدان ثقة الحلفاء:

حتى الحلفاء الذين راهنوا على بعض هذه الأحزاب، بدأوا يشككون في جدواها…

– لأنها لا تمتلك انسجاما داخليا.

– ولا تقدر على حماية جمهورها.

– ولم تنتج مشروعا واضح المعالم.

بل إن قوى “محور المقاومة”، بدأت تتعامل مع ملفات العراق بشكل مباشر، بعد أن فقدت الثقة بالأحزاب الشيعية كأدوات تنفيذية موثوقة.

خلاصة:

الشيعة في العراق يملكون القوة البشرية والتاريخية، لكنهم لا يملكون “العقل السياسي” الذي يوحّدهم ويوجههم.

وهذا ما يستدعي الانتقال فورا إلى تأسيس “مطابخ قرار” حزبية وجماعية تعيد تنظيم المشهد وتعيد الهيبة للفعل السياسي الشيعي.

• مقترح تأسيس “مطبخ قرار حزبي” فعّال:

لكي يستعيد كل حزب شيعي قدرته على الفعل السياسي المنظّم، ويكسب ثقة قاعدته ويحسن أداءه في الدولة، لا بد من تأسيس مطبخ قرار داخلي فعّال، يعمل بعقل مؤسسي، لا بعقل الفرد المتصدر أو المزاج الجماهيري العابر.

هذا المطبخ ليس هيئة شكلية، بل هو عقل الحزب النابض، ينتج الرؤية ويوجه القيادة ويصوغ القرار في ضوء المعطيات.

الهيكل المقترح:

– مجلس تخطيط استراتيجي…

يضم مفكرين، ومحللين سياسيين، واقتصاديين، وخبراء أمن، وإعلام، وعلاقات خارجية، ويمنح صلاحية تقديم الرؤية والتوصيات، وتكون هذه الرؤية ملزمة للقيادة التنفيذية بعد تصويبها من قبل الهيئة القيادية.

– “وحدة” تقدير موقف…

تتابع الأحداث المحلية والإقليمية والدولية، وتصوغ أوراق تحليلية أسبوعية وشهرية تعرض على الهيئة القيادية، تستشرف التحديات وتضع سيناريوهات الاستجابة.

-“وحدة” الخطاب السياسي والإعلامي…

تصيغ الموقف السياسي بلغة منضبطة وواضحة، وتضع توجيهات للناطقين الرسميين، والمنصات الإعلامية، وتتابع أثر الخطاب على الجمهور وتعدّله عند الحاجة.

– “وحدة” البرامج والسياسات العامة…

تحوّل الرؤية السياسية إلى مشاريع واقعية (قوانين، مقترحات، برامج خدمية)،

وتتابع أداء ممثلي الحزب في الحكومة والبرلمان وتضبط حركتهم ضمن التوجه العام للحزب.

 آليات العمل:

اجتماعات دورية مغلقة، وتقديم تقارير تحليلية تعرض على الهيئة القيادية للحزب بانتظام، وتقييم مستمر للقرارات السابقة وتعديلها عند الحاجة، وبناء علاقات فكرية مع مراكز أبحاث ومؤسسات وطنية.

النتائج المتوقعة:

– إنهاء الفوضى في القرار السياسي الداخلي.

– توحيد خطاب الحزب ومواقفه في كل المحافل.

– تعزيز مصداقية الحزب أمام الجمهور.

-رفع كفاءة الاستجابة للأزمات والتحديات.

-تعزيز الأداء السياسي والإعلامي.

ماذا لو لم يتم تأسيس هذا المطبخ!؟

سيبقى الحزب رهينة ارتجال الأفراد، وسيفقد جمهوره تدريجيا… وستفشل قيادته في اتخاذ المواقف المناسبة في اللحظة المناسبة (وهو ما يحدث فعلا)، كما ان الحزب سيتحول تدريجيا، إلى “ظل بلا عقل” داخل مشهد سياسي متغير وسريع.

•مقترح تأسيس “مطبخ قرار شيعي” مشترك:

إذا كانت الأحزاب الشيعية كلّ على حدة، تعاني من ضعف القرار وغياب التخطيط، فإن البيت السياسي الشيعي بمجمله يعاني أيضا من غياب العقل الجامع القادر على:

– التنسيق بين الفرقاء.

-إدارة المواقف الحساسة.

-صياغة رؤية موحدة للمستقبل.

وفي ظل تصاعد التهديدات، واستمرار مشاريع الإقصاء والتهميش، وتكرار سيناريوهات الفوضى والانقسام، فإن الحاجة أصبحت ملحّة لتأسيس “مطبخ قرار شيعي” مشترك أيضا، يمثل غرفة عمليات استراتيجية للقوى السياسية الشيعية التي تؤمن بخط الدولة والهوية والمقاومة.

 الهيكل المقترح:

-مجلس تنسيق شيعي استراتيجي.

يضم ممثلين عن كل حزب شيعي رئيسي يؤمن بالعمل المشترك، ويُنتخب رئيسه بالتوافق والتناوب، وله صلاحيات تنسيقية فقط لا تنفيذية.

لا يتدخل في خصوصيات كل حزب، بل يركّز على القضايا التي تمس مصير الطائفة والبلد.

-لجنة تقدير مواقف.

ترصد المستجدات الكبرى (أمنية، سياسية، اجتماعية)، وتضع تقارير تنبيهية وتحذيرية وتحليلية، تقدم خيارات واضحة للرد أو المبادرة.

– لجنة سياسة وطنية وإقليمية…

تُحدد الموقف الشيعي الجماعي من الملفات الحساسة:

1- الموازنة والانتخابات.

2-العلاقة مع كردستان.

3-العلاقة مع إيران وسوريا ولبنان واليمن.

4-التطبيع وصفقة القرن.

5-مستقبل الحشد الشعبي.

6- سيادة العراق والموقف من الوجود الأمريكي.

-وحدة الخطاب والتوجيه الاعلامي المشترك…

وتصيغ الموقف السياسي الشيعي بلغة واحدة قدر الإمكان، وتوزّع عناوين الخطاب ومحاوره على كل قنوات وأدوات الأحزاب المشاركة، وتعزز وحدة الخطاب دون أن تفرض توحيد الشكل أو اللهجة.

 آليات العمل:

– اجتماعات دورية (شهرية او طوارئ).

– وثائق داخلية سرّية تناقش ثم تتخذ بشأنها توصيات.

– لجان مشتركة دائمة او موسمية حسب الحاجة.

-مركز رصد وتحليل مشترك مدعوم بخبراء مستقلين.

الأهداف:

– توحيد الموقف الشيعي من القضايا الكبرى.

– إدارة الأزمات بفعالية.

– إنتاج رؤية موحدة للعراق والمنطقة.

– تحصين البيت السياسي من الاختراق والانقسام.

الملاحظات والضوابط:

– المطبخ لا يُلغي خصوصية أي حزب.

– لا يتحول إلى مرجعية سياسية عليا، بل إلى غرفة تنسيق واتفاق.

– لا يتدخل في توزيع المناصب أو المكاسب، بل يعمل على صياغة الرؤية الجامعة فقط.

-يجب أن يكون مرنا، غير بيروقراطي، ولا إعلاميا، بل عملي وسري عند الضرورة.

الخلاصة:

الشيعة في العراق اليوم لا يحتاجون إلى زعيم جديد، بل إلى عقل جديد.

عقل جماعي يفكر بصمت، يخطط بعمق، ويتكلم عند الحاجة بصوت واحد.

•اخيرا: إمّا العقل… أو الفناء السياسي:

إن استمرار الأحزاب الشيعية العراقية في إدارة نفسها بنفس الأسلوب العشوائي، وبهذا الفهم الارتجالي للسياسة، لم يعد ترفا يمكن تحمّله، بل أصبح وصفة جاهزة للانتحار السياسي الجماعي.

لم يعد يكفي أن ندين الفساد، أو نتباكى على جمهور غاضب، أو نكرر شعارات “المرجعية خط أحمر” و”ثوابت المقاومة”، هذه الشعارات تستهلك وتبهت ما لم تقترن بأداء سياسي منضبط، ورؤية استراتيجية عميقة، وخطاب موحد، ومشروع واضح.

الخصوم يراكمون أدواتهم ويحكمون هندسة مشهدهم السياسي، بينما الأحزاب الشيعية، التي من المفترض أن تكون حاملة لمشروع الأغلبية التاريخية والمظلومية المتجددة، ما زالت تتخبط داخل عقل مغلق، وصراعات شخصية، وتكتيك بلا استراتيجية.

– الوقت ينفد.

– والجمهور بدأ يدير ظهره.

– والدولة تنهار على مهل.

– والمعادلات الإقليمية لن ترحم الضعفاء.

إن لم تبادر هذه الأحزاب فورا إلى تأسيس مطابخ قرار حقيقية، حزبية وجماعية، تعيد إنتاج رؤيتها وخطابها وقياداتها، فإنها ستكون عاجلا أو آجلا بلا جمهور، بلا وزن، وربما بلا وجود.

الشيعة لا يحتاجون المزيد من الأحزاب، بل المزيد من الوعي السياسي.

ولا يحتاجون زعيما يصفقون له، بل عقلا ينقذهم جميعا.

وهذا العقل يبدأ من مطبخ القرار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *