في قلب السليمانية، تتكشف لوحة معقدة من النفوذ والطموح، حيث تتشابك السياسة بالأمن والاقتصاد في مشهد واحد يجمع بين محاصرة واعتقال لاهور شيخ جنكي وأخيه في أحد الفنادق على يد قوة عسكرية ضخمة تمثل جناح بافل طالباني، واجهة السلطة الرسمية في المدينة، وما بدا كصراع بين فردين، يتحول إلى مرآة مركبة للمشهد الكردي والعراقي بأسره، حيث تمتزج القرابة والمصاهرة مع التحالفات السياسية والمكاسب الاقتصادية، فتخلق شبكة مؤثرة تغذيها المصالح الشخصية ورغبة الهيمنة، فتجعل النزاع أكثر تعقيدًا من أي قراءة سطحية.
في العمق الأول، يظهر الصراع كنزاع مباشر بين الوريثين: بافل يسعى لتركيز السلطة في يده، وإحكام قبضته على الاتحاد الوطني، وتفادي أي منافس قد يزعزع مركزيته، فيما يسعى لاهور، بخبرته الأمنية والعسكرية، إلى تحويل الانقسامات الداخلية إلى رصيد سياسي يعزز موقعه، مجسّدًا نزعة الإنسان نحو التفرد بالقرار والسيطرة على أدوات القوة.
هذا البعد، رغم وضوحه، يمثل مجرد مقدمة لصراع أعمق وأكثر تفرعًا، صراع يتغلغل في بنية الأحزاب نفسها.
على المستوى الثاني، يكشف المشهد التركيب الداخلي للأحزاب الزعاماتية وانقساماتها العميقة، فالأحزاب المبنية على الزعامة الشخصية والعائلية، لا على مؤسسات راسخة أو قيم سياسية، تصبح ساحة مفتوحة للصراعات بمجرد غياب المؤسس.
الصراع بين بافل و لاهور
خطوط الصراع في الاتحاد الوطني تتفرع بين بافل وقوباد، لاهور، برهم وآلا طالباني، مع خطوط أقدم وانقسامات صامتة مثل اتجاه نيشروان مصطفى، وكل خط هو شريان من شرايين السلطة، يسعى إلى السيطرة على المشهد السياسي، ويحوّل أي خلاف جزئي إلى صراع بنيوي شامل، يطال كل أبعاد الحزب، ويعيد صياغة توازن القوى الداخلية، وهذا النموذج ليس مقتصرا على الاتحاد والسليمانية فقط، بل من الراجح ان يتكرر في أربيل عند غياب مسعود بارزاني، حيث سيبرز نزاع بين نيجرفان، مسرور، وخطوط أخرى، مؤكّدًا أن الصراعات الزعاماتية دورة مستمرة في نظام السلطة المبني على الشخصية أكثر من المؤسسات، ولا تسلم منه كل الاحزاب والتشكلات التي تسير على ذات المسيرة والمنوال.
في مستوى اعلى ينظر الى هذا الصراع من زاوية تداخل السلطة بالمال والأمن، فالنزاع بين بافل ولاهور لا يقتصر على الرئاسة، بل يمتد ليشمل السيطرة على الثروات الاقتصادية والمشاريع التجارية والأجهزة الأمنية والعسكرية، فتتشابك القوة السياسية مع السيطرة المالية، وتتحول الخلافات السياسية إلى صراعات تهدد الأمن والاستقرار، تاركة آثارًا تتجاوز الحدود المحلية لتصبح أزمة مركبة تتفاعل مع المحيط الإقليمي والدولي، نموذجًا حيًا للصراعات متعددة الطبقات في أي سياق سياسي يعتمد على الزعامة الفردية.
على المستوى الرابع، يظهر البعد الإقليمي والدولي، حيث تغذي القوى الخارجية، من الولايات المتحدة، الغرب، إيران، تركيا، بعض الدول العربية، إلى قوى غير معلنة، كل طرف بما يخدم مصالحها في النفوذ والثروة والملفات الأمنية، من حزب العمال الكردستاني إلى قوات سوريا الديمقراطية، وصولًا إلى إعادة ترسيم المنطقة.
المصالح الإقليمية مع الانقسامات المحلية
هنا، يتحول الصراع إلى حرب بالنيابة تتداخل فيها المصالح الإقليمية مع الانقسامات المحلية، فتتسرب آثارها إلى بقاع أخرى، وتصبح شبكة متشابكة من النفوذ والتأثير بعيدًا عن حدود السليمانية.
في المستوى الخامس، يظهر قصور التمثيل الشعبي، إذ غالبًا ما يظل المواطن خارج معادلة اتخاذ القرار، سواء اتفقت أو تفرقت الكيانات الزعاماتية، مما يعزز تركيز السلطة في أيدي الزعماء العائليين أو المصالحية، ويُضعف القدرة على بناء مؤسسات تمثل الإرادة الشعبية، فتظل القرارات السياسية موجهة نحو الاستحواذ الداخلي على النفوذ أكثر من خدمة الصالح العام.
المستوى السادس والأعمق يكشف الطبيعة الإنسانية للصراع، نزوع الإنسان نحو الهيمنة والسيطرة والاستحواذ على النفوذ، وهو نموذج متكرر عبر التاريخ والمجتمعات والثقافات المختلفة.
نزعات التفرد والسيطرة، حتى حين تتستر خلف المؤسسات أو القوانين، غالبًا ما تُفضح عند مواجهة السلطة المطلقة أو فرصة الاستحواذ، فالديمقراطية، رغم قيمتها النظرية والفكرية، كثيرًا ما تصطدم بهذه الطبيعة البشرية، كما تكشف الأحداث المعاصرة، من محاولات فرض الهيمنة بالقوة إلى التجاوزات المتكررة على المؤسسات.
الإنسان، في ظل غياب ضوابط أخلاقية وروحية، يميل إلى توسيع نفوذه، والضغط على الآخرين، وتحويل السلطة إلى أداة تحقيق للطموح الشخصي.
وفي هذا السياق، تظهر حكمة الاختيار الإلهي في اعتماد حكم الأنبياء والأولياء كحل لإدارة شؤون البشر، ليس كنموذج حكم ديني بحت، بل كتذكير مستمر بحدود قدرة البشر على العدل الحقيقي، وبأن السلطة البشرية وحدها لا تكفي لضمان العدالة الشاملة، مهما حاولت المؤسسات أو الديمقراطيات، والصراع بين بافل ولاهور، بهذا المعنى، يصبح مرآة للإنسانية نفسها، اختبارًا لتوازن الطموح الفردي مع الضرورات الجماعية، وتذكيرًا دائمًا بأن السلطة بلا ضوابط تفضي إلى الصراعات والمصائب.
وأخيرًا، يتجلى الصراع في توازنه بين الوجهين الإيجابي والسلبي؛ الوجه الإيجابي يضعف التفرعن ويعيد التوازن، ويمنع سيطرة مطلقة لأحد الأقطاب، بينما الوجه السلبي يخرق الأمن ويعرض حياة العامة للأخطار، تاركًا ضحايا أبرياء في مسار النزاع.
ومع زيادة تأثير القوى الخارجية، تظهر ارتدادات الصراع في مناطق أخرى، مؤكدة أن هذا النزاع ليس مجرد حادثة محلية، بل حلقة متجددة في دورة الصراع البشري بين النفوذ والطموح، القوة والمصالح، على مستوى المجتمعات التي تتحكم فيها الزعامات الفردية أكثر من المؤسسات.
إنه نموذج للتاريخ السياسي المتكرر، ومثال حي على أن الصراع، مهما حاول البشر وضعه تحت مظلة القانون أو المؤسسات، سيبقى صراعًا بين الطبيعة البشرية نفسها ورغباتها المتأصلة في الهيمنة، وعبرة مستمرة لمن يريد فهم قوانين السلطة الحقيقي.


